فادي السمردلي يكتب: الاردني يعمل طوال الشهر ويبدأ من الصفر
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في الأردن، هناك آلاف الموظفين الذين يستيقظون كل صباح في الموعد نفسه، يسلكون الطريق نفسه، يجلسون خلف المكاتب نفسها، ويعودون إلى بيوتهم كل مساء بالتعب نفسه، يعملون باستمرار، يلتزمون، يحاولون الصمود، لكنهم في نهاية كل شهر يكتشفون الحقيقة نفسها كل هذا الجهد لم يغيّر شيئًا.
الراتب يختفي بسرعة مخيفة فالفواتير تسبق كل شيء الإيجار ينتظر، الأقساط تنتظر، الكهرباء، الماء، البنزين، احتياجات البيت، والالتزامات التي لا تنتهي وما إن يصل الموظف إلى الأيام الأخيرة من الشهر حتى يبدأ العد التنازلي للراتب القادم، وكأن حياته كلها أصبحت دائرة مغلقة من الركض المالي المستمر.
المؤلم أن كثيرًا من الموظفين لم يعودوا يعملون من أجل تحسين حياتهم، بل فقط لمنعها من الانهيار وهذا فرق قاسٍ جدًا ففي السابق، كان الإنسان يشعر أن الوظيفة قد تبني له شيئًا مع الوقت بيتًا، استقرارًا، قدرة على الادخار، أو حتى مساحة صغيرة من الراحة النفسية أما اليوم، فكثير من الموظفين يشعرون أن العمل لم يعد طريقًا للحياة، بل مجرد وسيلة للبقاء تحت الضغط بأقل خسائر ممكنة.
حتى فكرة “آخر الشهر” أصبحت مرهقة نفسيًا فالناس لم تعد تنتظر الراتب بفرح، بل بقلق لأن الراتب بالنسبة لكثيرين لا يدخل الحساب البنكي حتى يكون قد انتهى مسبقًا على الورق فهناك دائمًا التزام مؤجل، فاتورة متراكمة، أو حاجة أساسية تم تأجيلها من الشهر السابق.
الأصعب أن هذا التعب لا يظهر دائمًا بوضوح فالموظف الأردني غالبًا يبتسم، يذهب إلى عمله، يمارس حياته بشكل طبيعي، لكنه يعيش داخليًا حالة استنزاف مستمرة، استنزاف يجعل الإنسان يشعر أن عمره يمر بين الدوام والالتزامات دون أن يقترب فعليًا من حياة أكثر استقرارًا.
حتى الإجازة أصبحت رفاهية عند كثير من الناس والخروج البسيط يحتاج حسابات والأحلام الصغيرة التي كانت عادية يومًا ما، أصبحت تحتاج قدرة مالية مرهقة فالزواج مؤجل، شراء بيت يبدو بعيدًا، وتأسيس حياة مستقلة أصبح أصعب مما كان عليه قبل سنوات بكثير ولهذا يشعر كثير من الموظفين أنهم يتحركون طوال الوقت دون أن يتقدموا خطوة حقيقية.
الطبقة الموظفة في الأردن لا تعيش انهيارًا مفاجئًا، بل تعيش تآكلًا بطيئًا وهذا النوع من التعب أخطر، لأنه لا يصنع ضجيجًا، لكنه يغيّر الناس من الداخل فيجعلهم أكثر توترًا، أقل حماسًا، وأكثر خوفًا من المستقبل.
حتى العلاقة مع العمل نفسها تغيّرت ففي الماضي، كان الإنسان يشعر ببعض الانتماء لوظيفته أو بمكافأة معنوية على الأقل واليوم، كثير من الموظفين يعملون بعقلية “تمضية الشهر”، لا أكثر. ليس لأنهم لا يريدون النجاح، بل لأن الضغط المعيشي أصبح أكبر من طاقتهم النفسية ورغم كل ذلك، يستمر الناس فيذهبون إلى أعمالهم كل يوم، يحاولون حماية بيوتهم، ويحافظون على شكل الحياة قدر الإمكان ولكن خلف هذا الاستمرار الصامت، هناك سؤال ثقيل يتكرر داخل آلاف البيوت
إلى متى يمكن للإنسان أن يعمل بكل هذا التعب… ثم يبدأ من الصفر كل شهر؟
الكاتب من الأردن