الحلول الحكومية ودم الحرذون
د. ماجد عبد العزيز الخواجا. …..
أعادني مقطع فيديو لسلوك طفولي خرافي كنا نسمع عنه في أثناء الدراسة الإبتدائية، الفكرة أننا من جيلٍ كان طبيعياً أن يرى ويلمس أشكال من العقاب البدني الذي يمارسه المعلمون على التلاميذ، كان من الطبيعي مشاهدة المعلم وهو يحمل عصى رفيعةً أو سلك كهربائي مجدول أو قطعة من بربيش مياه أو في أقل حالاته تكون مسطرة بيده. كان الطابور الصباحي يشكّل عبئاً حقيقياً على التلاميذ، فهو الفرصة لكي يقوم المعلم بإظهار جبروته وعتيّه، وربما غيّه أيضاً، كان المعلم يسير بين صفوف التلاميذ الواقفين في الطابور وهو يتبختر منتشياً ومصاناً بسلطة وصلاحيات متنوعة ومتدرجة في شدتها وفظاعتها. فهي تبدأ من الزجر بالنظرات، إلى سيل من الكلمات البذيئة التي تحطُّ من كرامة الطالب، إلى سيل من اللكمات، إلى طلب أن ينتظر التلميذ أمام غرفة المعلمين، والكارثة الكبرى إذا كان الطلب بالوقوف أمام غرفة المدير. وتتدرج إلى الإعتداء بالأيدي على الوجوه أو باللكمات على الأجساد، وأحياناً تأخذ شكل المداهمة الجماعية لطالب أو لمجموعة من الطلبة، فتبدأ حفلة جنونية من الضرب والركل والشتم. نعم كان هذا مشهداً مألوفاً في المؤسسة التربوية، وهو مشهد مسكوت عنه في أقل الحالات بحيث اعتاد الجهاز التربوي الرسمي عليه، واعتاد الأهالي على أن هذه الممارسات هي نوع من ” التربية” التي لا تنفصل عن الفعل ” التعليمي”. وما زالت الذاكرة تحمل حكمة تربوية كانت مزروعة في عقل ووجدان الآباء بأن ” اللحم للمعلم والعظم للأهل” كناية برضاهم عن معاقبة أبنائهم بدنياً.
قلت أن هناك خرافة كانت سائدة بين التلاميذ مفادها أن ” دم الحرذون” إذا تم وضعه على اليدين، فهو كفيل بعد الشعور بالألم نتيجة الضرب عليها. والحرذون عبارة عن نوع من السحالي الكبيرة في حجمها والشبيهة بالتمساح والسريعة جداً في حركتها. ودارت فكرة كان يتداولها التلاميذ خاصةً البليدين أو الزعران منهم، بأن دم الحرذون يحمي اليدين عند الضرب، أتذكر طالباً كان مشاغباً وكسولاً لا يقوم بحلّ الواجبات البيتية، وكان كل صباحٍ يستقبل على يديه عدة عصّي، فتفتقت الحيلة عنده ليس بأن يصبح ملتزماً وأن يعطي الدراسة حقها، بل دار تفكيره إلى كيفية الحصول على دم الحرذون، المصيبة أن الحرذون سريع جداً ولا يمكن لإنسان أن يقبض عليه، بدأ التلميذ الذهاب إلى مناطق يتواجد فيها الحرذون، وجمع بعض الحجارة المتوسطة والصغيرة، استمر ينتظر الفرصة ليلقي القبض على حرذون، لم يتمكن طيلة أيام من اصطياد حرذون، إلى أن شاهد أحدها وهو على الجدار، قذف بقوةٍ الحجر باتجاه الحرذون، وفعلاً كانت إصابة قاتلة برأسه، أحضر شيئاً حاداً من اجل استخراج دم الحرذون، وبدأ بوضع الدم على يديه، انتظر لساعاتٍ خارج البيت من أجل أن ينشف الدم على يديه ويتغلغل في مسامات الجلد. في صبيحة اليوم التالي، ذهب إلى المدرسة وهو شامخ الرأس معتّداً بأنفةٍ وكبرياء لم يعهدهما من قبل. سأله المعلم: هل حللت الواجب، أجابه الطالب بلا لم أحلّه ولا أريد أن أحله. حينها أشار له المعلم بالخروج من المقعد من أجل معاقبته. خرج الطالب وهو ينظر بتفاخر إلى زملائه، سار بخطوات ثقيلة وواثقة نحو طاولة المعلم، افتح يديك؟ فتح الطالب يداه على امتدادهما، نال أول ضربةٍ قويةٍ من بربيش المعلم، شعر بوجع شديد، لكنه ردد في خاطره أن دم الحرذون سيبدأ بالسريان والتحرك في خلايا يديه، تلقى الضربة الثانية على يده الأخرى، كانت أشد وقعاً وإيلاماً، لكنه ما زال مؤمناً بأن دم الحرذون سينتشر في خلايا يديه ليحميها. فيما هو ينفخ بيديه من أجل تقليل الألم، مدّ إحداها لتلقّي الضربة الثالثة، هنا كانت الكارثة عندما شعر بوجعٍ أكبر، وتيقّن من أن دم الحرذون لن ينجيه، بدأ بالإستكانة والتودد والتذلل للمعلم، وأنه نسي حل الواجب، واعتذر عن ذلك. توقف المعلم عن الضرب. عاد التلميذ لمقعده، خارت قواه الجسدية والعقلية بعد اكتشاف عدم واقعية الحل بدم الحرذون. لكنه عاود بناء الأمل من خلال اعتقاده بعدم تغلغل دم الحرذون بشكل جيد في اليدين.
العبرة من الحكاية أن كثيراً من الحلول الحكومية عبارة عن ” دم الحرذون”، فهي تقدم لنا كل صباحٍ من يعاقبنا، لكنها أيضاً تقوم بسكب دم الحرذون على عقولنا كي نصدق أننا أصبحنا محصنين مصانين من كافة الضربات والصدمات.
الكاتب من الأردن