بلاد الشام ليست رواية على وسائل التواصل… إنها تاريخٌ لا تمحوه الفتن!

محي الدين غنيم   …..

في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحاتٍ للصراخ والاتهامات، يخرج علينا من يحاول تمزيق ما جمعه التاريخ عبر آلاف السنين، فينكر بعضهم وحدة بلاد الشام، ويختزل التاريخ في حدودٍ رسمها الاستعمار قبل نحو قرن، وكأن الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان كانت منذ فجر التاريخ دولًا منفصلة لا يجمعها شعب ولا حضارة ولا مصير.
هذه ليست قراءة للتاريخ، بل قطيعة معه.
لقد عاشت بلاد الشام عبر قرون طويلة وحدةً جغرافية وحضارية وسياسية، وتعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات جعلتها إقليمًا واحدًا، ثم دخلت في ظل الدولة الإسلامية منذ الفتح الإسلامي، وظلت مترابطة في مختلف العصور، وصولًا إلى العهد العثماني. ولم تعرف الحدود السياسية الحالية إلا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما قُسمت المنطقة وفق المصالح الاستعمارية، لا وفق إرادة شعوبها.
إن الاعتزاز بالأردن لا يعني إنكار فلسطين، والافتخار بفلسطين لا يعني الانتقاص من الأردن، كما أن الاعتزاز بسوريا أو لبنان لا يقتضي محو التاريخ المشترك. فهذه الأوطان نشأت في إطار دولها الحديثة، لكنها تنتمي أيضًا إلى فضاء تاريخي وثقافي واحد هو بلاد الشام.
إن أخطر ما يُنشر اليوم ليس اختلاف الآراء، بل خطاب الكراهية الذي يصور الأشقاء وكأنهم أعداء، ويزرع الشك بين أبناء التاريخ الواحد، ويستحضر أوصافًا جارحة وأحكامًا جماعية لا تخدم إلا أصحاب مشاريع الفرقة والانقسام.
ليس المطلوب أن تذوب الدول في بعضها، ولا أن يتنازل أحد عن سيادة وطنه أو هويته الوطنية، بل المطلوب أن نحترم الحقيقة التاريخية، وأن ندرك أن ما يجمع شعوب بلاد الشام أكبر بكثير مما يفرقها. فالدم امتزج، والمصاهرة توارثتها الأجيال، والتجارة والعلم والثقافة والدين نسجت روابط لا تستطيع منشورات غاضبة أو وسوم عابرة أن تمحوها.
إن الأردن وفلسطين ليسا خصمين، ولا سوريا ولبنان غريبين عن هذه الحقيقة. لقد فرقتهم الحدود السياسية، لكن التاريخ لم يفرقهم، والجغرافيا لم تتنكر لهم، والذاكرة الجمعية ما زالت شاهدة على وحدة امتدت قرونًا طويلة.
فلنحذر من دعاة الفتنة الذين يحاولون تحويل الاختلاف إلى عداوة، والتنوع إلى صراع، والتاريخ إلى مادة للتحريض. فالأمم العاقلة تبني مستقبلها على المعرفة، لا على الجهل، وعلى الاحترام المتبادل، لا على الإقصاء والإنكار.
سيبقى لكل دولة علمها وسيادتها ومؤسساتها، وسيبقى أيضًا أن بلاد الشام كانت وستظل جزءًا من ذاكرة واحدة، وأن الأخوة بين شعوبها ليست منحة من أحد، بل حقيقة صنعتها الجغرافيا وخلدها التاريخ.
الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا