فادي السمردلي يكتب :تضارب المصالح فساد مبكر
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
المشكلة لا تبدأ عندما يثبت أن المال العام سُرق أو أن صفقة مشبوهة أُبرمت.ففي كثير من الأحيان تبدأ قبل ذلك، عندما يكون الشخص المسؤول عن اتخاذ القرار هو نفسه المستفيد منه، أو يكون المستفيد قريبًا له أو جهة تربطه بها مصلحة فعند هذه النقطة يصبح الحديث عن تضارب المصالح، وهو أمر قد يراه البعض مجرد إجراء إداري، بينما هو في الحقيقة هو الفساد الفساد المبكر.
الهدف من هذا المبدأ ليس اتهام كل مسؤول بالفساد، بل منع الظروف التي قد تقود إليه فكلما زادت مساحة النفوذ، زادت الحاجة إلى قواعد واضحة تمنع استغلاله ولهذا السبب تضع كثير من الدول قيودًا على مشاركة أصحاب المناصب العامة أو الشركات المرتبطة بهم في العطاءات أو العقود التي يمكن أن يكون لهم تأثير عليها، حتى لو لم يثبت وجود مخالفة مباشرة.
المواطن لا يستطيع أن يعرف ما يدور داخل المكاتب المغلقة، لكنه يستطيع أن يلاحظ عندما تتكرر أسماء معينة في المشاريع أو عندما يحصل أشخاص مقربون من مسؤولين على فرص تثير التساؤلات وربما تكون كل الإجراءات قانونية ولكن مجرد وجود مصلحة شخصية في القرار يكفي لإضعاف الثقة وهذا بحد ذاته مشكلة، لأن الثقة بالمؤسسات لا تقل أهمية عن سلامة الإجراءات.
ومن هنا يأتي وصف تضارب المصالح بأنه فساد مبكر ليس لأنه يثبت وقوع جريمة وإنما لأنه يخلق بيئة تسمح بحدوثها إذا لم يتم التعامل معه منذ البداية ولهذا فإن تجاهله بحجة عدم وجود دليل على فساد فعلي قد يكون خطأ أكبر من الاعتراف بالمشكلة ومعالجتها مبكرًا.
أحيانًا ينتهي الأمر بإبعاد المسؤول عن منصبه، ثم يتوقف الحديث وكأن القضية أغلقت لكن الإقالة لا تجيب عن الأسئلة التي يطرحها الناس فهل تمت مراجعة القرارات التي اتخذها؟ وهل استفاد أحد من موقعه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ هذه الأسئلة لا ينبغي أن تبقى بلا إجابة، لأن الهدف ليس تغيير الأشخاص فقط، بل حماية المال العام وضمان عدالة القرارات.
في النهاية، تطبيق قواعد تضارب المصالح بجدية لا يستهدف تعطيل العمل أو التضييق على المسؤولين، بل يحميهم أيضًا من الشبهات فعندما يعرف الجميع أن المنصب العام لا يمنح صاحبه أفضلية في العقود أو التعيينات أو المناقصات تصبح المنافسة أكثر عدالة، ويشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع بالطريقة نفسها وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للنزاهة قبل أن تتحول الأخطاء إلى قضايا فساد يصعب إصلاح آثارها.
الكاتب من الأردن