وسائل التواصل تُعيد ضبط كيفية تقييم الدماغ للجهد الذهني
وضع مختلف تماماً
أما عندما يستخدم الشخص الهاتف الذكي فإنه بمجرد القيام بحركة واحدة من إبهامه يتغير الوضع تماماً. لا يحتاج الأمر إلى بذل أي جهد تقريباً للوصول إلى نكتة أو رسالة أو مقطع فيديو أو مكافأة اجتماعية. لم يصبح الكتاب أصعب، وبالتأكيد لم يختفِ الذكاء. لكن بحسب ما توصلت ورقة بحثية صادرة عن مجلس البحوث الإستوني، يبدو أن الكتاب الآن أغلى ثمناً، لأن نشاطاً آخر قريباً يُقدم صفقة أفضل بكثير عبارة عن مكافأة فورية وجهد شبه معدوم.

الوسائط الرقمية والإدراك
تدور الفكرة الأساسية للورقة البحثية حول “إطار عمل لإعادة ضبط الجهد لاستخدام الوسائط الرقمية والإدراك”. تُجادل الدراسة بأن أهم تأثير لوسائل التواصل الاجتماعي يكمن في أن التعرض المتكرر للمكافآت الرقمية السهلة يُغير كيفية تقييم الأشخاص للجهد نفسه.
مع مرور الوقت، كما يشير الباحثون، يمكن أن تُعيد الوسائط الرقمية ضبط الإحساس الداخلي بقيمة الجهد المبذول. عندها، يبدأ العمل الشاق في فقدان جاذبيته، ليس لأن الأشخاص غير قادرين على القيام به، بل لأن نظام اتخاذ القرارات اليومي لديهم قد تعلم توقع عوائد أسرع.
نقاش عام
يعد الأمر بالغ الأهمية لأن النقاش العام حول الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما يتأرجح بين طرفين متناقضين. يحذر أحد الجانبين من أن الشاشات تُدمر الانتباه والتعلم والطفولة. بينما يشير الجانب الآخر إلى أن الأدلة متضاربة، وأن حجم التأثير غالباً ما يكون ضئيلاً، وأن الوسائط الرقمية يمكن أن تدعم أيضاً التواصل والإبداع والتعلم والمشاركة السياسية. وتصبح النتيجة عبارة عن جدل مُحبط حول ما إذا كانت الهواتف ضارة أم لا، وما إذا كان المراهقون مدمنين أم أنهم يعيشون ببساطة في العالم الذي بناه الكبار لهم؟ هل أصبح الإنسان مشتتاً أم يقوم بمهام متعددة، أم أنه يُصاب بهلع أخلاقي؟

مخرج من الجدل
ترجح الورقة البحثية مخرجاً من هذا الجدل. فبدلاً من التساؤل عما إذا كانت الوسائط الرقمية تُقلل ببساطة من القدرة المعرفية، فإنها تتساءل كيف يُمكن أن تُعيد تشكيل الخيارات التي يتخذها الأشخاص بشأن كيفية استثمار طاقتهم العقلية المحدودة.
توازن الدماغ باستمرار بين التكاليف والفوائد: هل يستحق هذا التركيز؟ هل يجب أن أُثابر؟ هل عليّ تغيير المنصة؟ هل أستمر في القراءة، أم أبحث عن شيء أسهل؟ تدخل المنصات الرقمية هذه العملية الموازنة بعرض مغري. إن التمرير اللانهائي والإشعارات والتحديثات الخوارزمية والإعجابات ومقاطع الفيديو القصيرة يمكن أن تُقلل من التعقيدات وتُقدم مكافآت سريعة وشخصية. إنها تجعل الاستكشاف سهلاً.
استكشاف أم استغلال؟
يبني الباحثون إطار عملهم على التمييز بين الاستكشاف والاستغلال. يعني الاستكشاف تجربة العالم، بمعنى أن ينظر المرء على ما يدور حوله والتصفح وتجربة مصادر جديدة ورؤية ما هو متاح. أما الاستغلال فيعني التمسك بشيء ما لفترة كافية لاستخدامه بعمق، مثل الانضمام لدراسة أو التدرب على آلة موسيقية أو حل مشكلة صعبة أو كتابة حجة متقنة.
يعد الاستكشاف والاستغلال ضروريان، إذ يساعد الأول على اكتشاف الإمكانيات؛ بينما يُنمّي الاستغلال الإتقان. لكن التعلم غالباً ما يتطلب انتقالاً شاقاً، حيث يجب على الشخص التوقف عن التجربة والتركيز على شيء واحد يتطلب جهداً كبيراً قبل أن تظهر مكافآته.
تخلي العقل عن المهام
يرى الباحثون أن الوسائط الرقمية قد تُخل بهذا التوازن. فالوسائط الرقمية تجعل الاستكشاف سهلاً للغاية ومُجزياً في كثير من الأحيان. تجلب نقرة واحدة أو تمريرة سريعة الجديد والتفاعل الاجتماعي للمستخدم. ويتوقع نظام التوصيات ما يمكن أن يجذب انتباهه. يكمن الخطر في أن تكرار حلقات المكافأة ذات الجهد المنخفض ربما يُعود العقل على التخلي عن المهام التي تتطلب جهداً قبل ظهور فوائدها المؤجلة.
المصدر : العربية.نت