فادي السمردلي يكتب: من يحكم الرأي العام اليوم؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

شاهدت كما شاهد الجميع بأن الحكومات قبل سنوات قليلة فقط، ووسائل الإعلام التقليدية والنخب السياسية كانت هي التي تملك القدرة الأكبر على تشكيل الرأي العام فما يُقال في نشرات الأخبار المسائية كان يتحول إلى حديث الناس في اليوم التالي، وما يُكتب في الصحف الكبرى كان يرسم اتجاه النقاش داخل الشارع.

لكن العالم تغيّر بسرعة هائلة، والأردن لم يكن بعيدًا عن هذا التحول فاليوم، لم يعد أحد يحتكر التأثير الكامل على الناس، ولم تعد الرواية الرسمية وحدها قادرة على توجيه المزاج الشعبي كما كان يحدث سابقًا فالرأي العام أصبح كائنًا مختلفًا تمامًا، سريعًا، متقلبًا، غاضبًا أحيانًا، وعابرًا لكل الحدود التقليدية.

الهاتف المحمول اليوم يملك تأثيرًا قد يتجاوز تأثير مؤسسة إعلامية كاملة فيديو مدته دقيقة على تيك توك، أو منشور غاضب على فيسبوك، أو تسجيل صوتي مجهول المصدر على واتساب، يمكن أن يشعل نقاشًا وطنيًا كاملًا خلال ساعات قليلة وفي كثير من الأحيان، تجد المؤسسات الرسمية نفسها متأخرة عن الشارع، لا تقوده.

في الأردن، يبدو هذا التحول واضحًا جدًا خلال السنوات الأخيرة فالناس لم تعد تكتفي بما يُقال لها، بل أصبحت تبحث بنفسها، وتعلق، وتهاجم، وتسخر، وتعيد صياغة الأحداث بطريقتها الخاصة فالشارع الرقمي خلق مساحة ضخمة للتعبير، لكنه في الوقت نفسه خلق فوضى هائلة في تشكيل الحقائق والانطباعات.

المشكلة أن كثيرًا من المؤسسات ما تزال تتعامل مع الرأي العام بعقلية قديمة، وكأن السيطرة على المعلومة ما تزال ممكنة كما كانت في السابق بينما الواقع الجديد يقول شيئًا مختلفًا تمامًا فالناس لم تعد تنتظر من يخبرها ماذا تفكر، بل أصبحت تشارك بنفسها في صناعة الرواية.

ولهذا لم يعد غريبًا أن يتحول شخص مجهول إلى مؤثر كبير خلال أشهر قليلة، بينما تفقد مؤسسات كاملة قدرتها على الوصول الحقيقي للناس فالجمهور اليوم ينجذب إلى اللغة القريبة والعفوية والصادقة، حتى لو كانت أقل مهنية أحيانًا، وينفر من الخطاب البارد والمكرر والمليء بالمصطلحات الرسمية.

في لحظات الأزمات تحديدًا، يظهر حجم هذا التحول بشكل صادم فأي حدث سياسي أو اقتصادي أو أمني يتحول فورًا إلى معركة روايات على السوشال ميديا. هناك من يفسر، ومن يهاجم، ومن ينشر الشائعات، ومن يصنع بطولات وهمية، ومن يبني نظريات مؤامرة كاملة خلال ساعات. وفي ظل هذه السرعة، تصبح الحقيقة نفسها أحيانًا ضحية للفوضى الرقمية.

لكن رغم ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية هذا التحول فالسوشال ميديا منحت الناس مساحة لم تكن موجودة سابقًا فالمواطن الذي كان يشعر أن صوته غير مسموع، أصبح قادرًا اليوم على التأثير وإيصال رأيه وربما فرض قضية كاملة على النقاش العام.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه المنصات، بل في غياب القدرة على التعامل الذكي معها لأن محاولة تجاهل العالم الرقمي أو محاربته بعقلية قديمة لن تنجح فالرأي العام الجديد لا يتحرك بالأوامر، بل بالمشاعر، والسرعة، والثقة، والقدرة على الإقناع.

في الأردن، أصبحت معركة التأثير أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى فالدولة، والإعلام، والسياسيون، وحتى المؤثرون، جميعهم يتنافسون على مساحة الانتباه نفسها ولكن الجمهور نفسه تغيّر فلم يعد يصدق بسهولة، ولم يعد يمنح ثقته الكاملة لأحد، وأصبح أكثر ميلاً للشك والسخرية وإعادة تفسير كل شيء.

الأخطر أن الرأي العام اليوم لم يعد محليًا بالكامل فالأردني يتابع ما يحدث في غزة، وسوريا، ولبنان، وأمريكا، وإسرائيل، لحظة بلحظة، ويتأثر به نفسيًا وسياسيًا بشكل مباشر فالعالم كله دخل إلى الهاتف الصغير الذي يحمله المواطن في جيبه، وهذا غيّر طريقة التفكير والانفعال والنقاش بالكامل.

وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال الحقيقي: من يملك المنصة الأكبر؟ بل: من يملك القدرة على كسب ثقة الناس فعلًا؟ لأن زمن السيطرة الكاملة على العقول انتهى واليوم، من يحكم الرأي العام ليس بالضرورة الأقوى سياسيًا أو إعلاميًا، بل الأكثر قدرة على فهم الناس، والتحدث بلغتهم، والوصول إلى مشاعرهم قبل عقولهم.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا