بين حكم القضاء وقرار وزارة الزراعة … أين الحقيقة؟

بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي.
……………….
اول سؤال سوف اسألة للقانونيين ; هل سمح قرار المحكمة العليا لمالك المزرعة باستقبال الزوار فيها ؟
والسؤال الثاني : إذا كان القرار لم يسمح للزوار بالدخول للمزرعة وإنما سمح للعاملين فقط ، وقام مالك المزرعة باستقبال الزوار ومخالفة القرار فمن سيحاسبة ويلزمه بالقرار ؟

في كثير من القضايا يسبق الضجيج الحقيقة، وتعلو الأصوات قبل أن يقرأ الناس القرار أو يعرفوا مضمونه. فيتحول الحكم إلى معركة، ويصبح كل طرف يبحث عن نصرٍ لنفسه، مع أن القانون لا يعرف منتصرًا ومهزومًا، وإنما يعرف حقًا يجب أن يُصان، ونظامًا يجب أن يُحترم.
وقضية مزرعة “السوسنة السوداء” واحدة من هذه القضايا. فقد ظن بعض الناس أن قرار المحكمة العليا جاء ليهزم وزارة الزراعة، بينما من يقرأ القرار بهدوء يجد أنه لا يبتعد كثيرًا عن موقف الوزارة، بل يلتقي معه في جوهره.
فالمحكمة لم تأمر بفتح المزرعة أمام الزوار، ولم تُلغِ شروط الترخيص، بل أبقت المزرعة مفتوحة فقط حتى تستمر العناية بالحيوانات، لأنها لا ذنب لها في أي خلاف قانوني. وأضافت إلى ذلك كفالة مالية، وأكدت ضرورة استكمال جميع الشروط والإجراءات التي تضمن السلامة والصحة العامة، وتحت إشراف الجهات المختصة.
وهذا هو الموقف نفسه الذي أعلنت عنه وزارة الزراعة منذ البداية، عندما سمحت للعاملين بالدخول لرعاية الحيوانات، ومنعت استقبال الزوار إلى حين استكمال الترخيص. فأين هو التعارض الذي صوره البعض؟ وأين هو الانتصار الذي احتفل به آخرون؟
إن احترام القضاء لا يعني التقليل من دور الوزارة، كما أن قيام الوزارة بتطبيق القانون لا يعني الوقوف في وجه القضاء. فكلتاهما تعملان لخدمة المصلحة العامة، وكلتاهما تستندان إلى القانون، لا إلى الرغبات أو الضغوط.
وللأسف، فإن بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل لا تنقل الحقيقة كاملة، بل تختار الجزء الذي يثير الجدل ويجذب الانتباه، فيظن الناس أن الدولة في صراع مع نفسها، بينما الحقيقة قد تكون أبسط من ذلك بكثير.
ويبقى بعد كل ذلك عدد من الأسئلة التي تستحق الإجابة، لا من باب التشكيك، وإنما من باب الشفافية: من هم شركاء المشروع إن وجدوا؟ وهل جميع الحيوانات الموجودة في المزرعة مملوكة لصاحبها؟ وهل سبق أن تقدم الجوار بشكاوى تتعلق بالمزرعة؟ وما حدود صلاحيات النائب في متابعة أعمال السلطة التنفيذية؟ وهل يحق له نشر وثائق حكومية قبل أن تسلك طريقها القانوني؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها الانفعال، ولا تحسمها منشورات مواقع التواصل، وإنما يجيب عنها القانون، والجهات المختصة، والقضاء.
فالعدل لا يقاس بمن ربح المعركة الإعلامية، بل بمن احترم القانون. والدولة القوية ليست التي يعلو فيها صوت الأشخاص، وإنما التي يعلو فيها صوت النظام، ويطمئن فيها المواطن إلى أن الحقوق والواجبات تُقاس بميزان واحد، لا بميزان المصالح ولا بضجيج المنصات.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا