عندما يصبح الجاهل “خبيرًا “… ويصبح الطبل الأجوف نجمًا !
محي الدين غنيم. ….
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا مفتوحًا لكل من يملك هاتفًا واتصالًا بالإنترنت، اختلط صوت الحكمة بضجيج الجهل، وأصبح بعض الناس ينصبون أنفسهم محللين وخبراء واستراتيجيين، وهم لا يملكون من المعرفة إلا عناوين مبتورة وشائعات متناثرة.
ترى أحدهم يتحدث في السياسة الدولية وكأنه شارك في غرف صناعة القرار، ويحلل الحروب والأزمات وكأنه كان حاضرًا في اجتماعات قادة الدول، بينما الحقيقة أنه لا يعرف من الوقائع إلا ما التقطه من مقطع لا يتجاوز بضع ثوانٍ أو منشور مجهول المصدر.
والأغرب من ذلك، أن بعضهم يلهث خلف الكاميرا أكثر من لهثه خلف الحقيقة. يحضر أي فعالية، يلتقط عشرات الصور، ويبث عشرات المقاطع، ثم يعود ليقنع الناس بأنه شخصية مؤثرة، بينما حضوره لا يتجاوز كونه رقمًا في خلفية الصورة. فليس كل من حمل هاتفًا أصبح إعلاميًا، وليس كل من نشر صورة أصبح صاحب إنجاز.
أما في زمن الحروب والأزمات، فتظهر فئة أشد خطرًا، جعلت من الضمير سلعة ومن المواقف مزادًا مفتوحًا. يطبلون لهذا الطرف أو ذاك، ويبيعون مواقفهم مقابل حفنة من الدولارات أو بحثًا عن الشهرة والانتشار، فيغيّرون مواقفهم كلما تغيّر مصدر التمويل أو تبدلت الرياح السياسية، غير آبهين بالحقيقة ولا بمصلحة أوطانهم ولا بحرمة دماء الأبرياء.
إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط كشفت كثيرًا من الأقنعة، وأظهرت أن بعض الأصوات لا تنطلق من قناعة، بل من مصلحة، وأن بعض الأقلام لا تكتب بالحبر، بل بما يُملى عليها.
لقد أصبحنا بحاجة إلى وعي يميز بين الإعلامي المهني والمهرج الإلكتروني، وبين المحلل الحقيقي ومدعي المعرفة، وبين صاحب الرأي الحر ومن يبيع رأيه لمن يدفع أكثر.
فالأوطان لا تُبنى بالضجيج، ولا تُحمى بالتصفيق، ولا تُدار بمن يعتقد أن عدد الإعجابات والشهادات الوهمية يمنحه صكًا للحديث في كل شأن.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: متى ندرك أن كثرة المتابعين ليست دليلًا على الحكمة، وأن ارتفاع الصوت لا يعني صحة الرأي، وأن الطبل الأجوف هو الأعلى ضجيجًا… لكنه يظل فارغًا من الداخل؟
الكاتب من الأردن