كيف كانوا… وكيف كنا نعيش معهم
بقلم: العميد المتقاعد هاشم المجالي ………………
عندما أرجع بذاكرتي إلى قريتي الربة في محافظة الكرك، أشعر أنني لا أتحدث عن مجرد قرية، بل عن مدرسة في الحياة، وعن مجتمع كان يعرف معنى التعب والكرامة والتكافل.
والدي، رحمه الله، كان مختارا للعشيرة من أجل المضابط التي يصرف بموجبها جوازات السفر وكان مزارعًا وتاجرًا بسيطًا، لكنه كان رجلًا عظيمًا في عطائه. كان يعيل خمسة عشر فردًا؛ ستة أبناء، واربع بنات ، وإخوته إثنان ، وشقيقته، وكل ذلك كان من كدّ يمينه وتعبه. كنا نعيش في غرفتين وحوش، ولم نكن نشعر يومًا أننا فقراء، لأن البركة كانت تملأ البيت، والقناعة كانت تسكن القلوب.
والحمد لله، خرج من ذلك البيت الصغير مهندسين ، وضباط جيش و أمن، وإداري، ومعلم، وكل واحد منا أخذ فرصته في التعليم حتى تخرج من أفضل الجامعات وفي أفضل التخصصات.
ولم تكن هذه قصة والدي وحده، بل كانت قصة معظم رجال القرية. أذكر منهم المرحوم تركي عبد اللطيف، وعبد الله نمر أبو مفيد، ووادي حمود، وغانم الزريقات، وغيرهم كثير. كانوا يعملون من طلوع الشمس حتى غروبها. هذا عنده مزرعة دواجن، وذاك عنده بستان، وآخر يزرع أرضه، ويملك تراكتورًا وحصادة، وسيارة مرسيدس، ومع ذلك لم يكن أحد يستحي من العمل، بل كان العمل مصدر فخر واحترام.
والأجمل من ذلك كله، أن القرية كانت تعيش كأسرة واحدة.
إذا كان هناك عرس، تتحول القرية كلها إلى بيت واحد. يجمع الناس الفرّشات والحصر والسدور والقدور، ويكتب كل واحد اسمه على أغراضه حتى تعود إليه بعد انتهاء المناسبة. تبدأ الفرحة من أول الأسبوع، وكل أهل القرية يشاركون فيها، وكأن العريس ابن الجميع.
وإذا كان هناك بيت عزاء، كانت الحياة كلها تتغير. تغلق التلفزيونات، ويقف الجميع مع أهل الفقيد. كانوا يسمونهم “المجبورين”، لأن خواطرهم يجب أن تُجبر، وكانت البيوت تتسابق في إعداد الطعام لهم، ومساندتهم، وتخفيف ألمهم. لم يكن أحد يشعر أنه وحده في الفرح أو في الحزن.
أما اليوم… فالصورة تغيرت كثيرًا.
العائلة التي كانت تتكون من عشرة أفراد أو أكثر، أصبحت تتكون من ثلاثة أو أربعة فقط ومنازل اكبر مساحاتها للضيوف ، ومع ذلك نسمع الشكوى من ضيق الحال، وعدم القدرة على دفع فاتورة الكهرباء أو المياه.
أتساءل دائمًا: هل هذه ضريبة التكنولوجيا؟ أم نتيجة سوء التخطيط؟ أم لأننا ابتعدنا عن العمل الذي صنع آباءنا؟
الأرض ما زالت موجودة، فلماذا لا نزرعها؟ ولماذا أصبح كثير من شبابنا ينتظر الوظيفة بدل أن يصنع رزقه بيده؟
ولماذا لا يختار أبناؤنا تخصصاتهم الجامعية وفق حاجة سوق العمل، بدل أن يتخرج آلاف الشباب ثم يقفون في طوابير البطالة؟
والسؤال الذي يؤلم أكثر: كيف وصلت آفة المخدرات إلى قرانا ومحافظاتنا، ونحن لم نكن نعرفها في الماضي؟ وكيف أصبح بعض شبابنا يقضي يومه على الأرصفة، عاطلًا عن العمل، يحمل هاتفين، ويدخن أكثر من علبة سجائر في اليوم، بينما يرفض أي عمل يظنه أقل من طموحه؟
لسنا ضد التطور، ولسنا ضد التكنولوجيا، لكننا مع العودة إلى قيم آبائنا وأجدادنا؛ قيم العمل، والإنتاج، والتكافل، واحترام المهنة، والتعاون بين الناس.
ما أحوجنا اليوم أن نعيد إحياء ذلك النموذج الجميل، ليس لأننا نريد العودة إلى الماضي، بل لأن الماضي كان يحمل قيمًا لو عادت، لعادت معها البركة، والمحبة، والكرامة.
رحم الله رجال ذلك الزمن، وحفظ الله الأردن وأهله، وأعاد إلى قرانا روحها الجميلة التي تربينا عليها.
الكاتب من الأردن