لا حوار بين الأديان
الدكتور ماجد الخواجا …..
ساعدت التقنيات الحديثة على انتشار المعرفة والتفاعل معها سلباً و/ أو إيجاباً، معرفة ملتبسة قد تأخذ شكلاً مبالغاً فيه، أو منقوصة أو معدّلة أو مشوّهة، وهذا يعتمد على أمزجة وأهواء ورغبات ناشر أو ناقل المعرفة، كذلك الأمر في تحوير وتحويل القيم والإتجاهات حيال مواضيع ومبادئ جوهرية في المجتمع، مما يعمل على فكفكة وخلخلة المنظومة الأخلاقية للمجتمع، فيما هناك سلع رائجة يمكن أن تدرّ عائداً كبيراً وتتمثل في تناول ” الدين والسياسة والجنس”، ذلك الثالوث المحرّم، والممنوع تداوله، أصبح مع التحوّلات الرقمية، سلعةً تعد بالربح الوفير ليس المادي فقط، وإنما لغايات خبيثة وربما طيبة، يمارسها الأفراد والجماعات بحق بعضهم بعضاً. إنه عصر العماء والغباء والدهاء السيبراني. عصر معياره الأساس هو درجة ما يدعى ” التأثير”، فأصبحنا نرى مجموعات من التافهين أو المنحرفين أو العنصريين أو اللادينيين، يحتلون أعلى نسب المتابعات والمشاهدات والتعليقات.
كان ما يسمّى بالحوار بين الأديان والمذاهب يدور في غرف مغلقة، على هيئة ندوات أو مؤتمرات أو محاضرات، وتبقى داخل تلك الجدران ولا تغادرها أو تنتشر بين العوام. كان الحوار يتصّف بجملةٍ من المحددات المنهجية، ولا يسعى فيه أي طرفٍ لإثبات حجّيته ومذهبه، بقدر ما كان البحث عن مشتركات إنسانية يمكن البناء عليها وتعزيزها.
أذكر في مؤتمر أقيم في النجف من عام 2013، وكنت أحد المشاركين فيه، والذي حمل عنوان ” التعددية الدينية”، أن الأمير حسن بن طلال حفظه الله في مداخلة متلفزة له مع المؤتمر حيث قال يومها: لا يوجد حوار بين الأديان، بل الحوار بين رجال أو أتباع الأديان، وأضاف آخر أن المطلوب ليس العيش المشترك، وإنما ” التعايش” فالتعايش يعني أن نحتمل كلاً منا الآخر، أن نتقبله كما هو، أن ندرك الحدود بيننا بشكل جيد ونحترم الخصوصيات والإثنيات وما يرتبط بها من سلوكات واتجاهات. التعايش يعني شعور الجميع بحقه في ممارسة ما يؤمن أو يعتقد به، دون الخشية من استهدافه أو العمل على إستئصاله.
مناسبة هذه المقالة ما جرى بين أحد المذيعين الإعلاميين ويدعى كرم حلوم مع مذيع تبشيري يدعى بالأخ رشيد حمامي، حيث ظهرا في بودكاست للحديث في الدين المسيحي والإسلامي واليهودي. وما زالت الحرب دائرة عبر الفضاءات السيبرانية وشن حملات تنادي بانتصار كرم من جهة مؤيديه، وانتصار رشيد من الجهة الأخرى. وتخلل تلك الحرب نشر خطاب كراهية غير مسبوق، نال من كلا الطرفين وعقيدة كلا منهما، بشكل ضاعت فيه الغاية الأولى للحملات، وتصدرت لغة الشتم والذم والتحقير، دون تحرّي تقديم دفاع أو هجوم ضمن صلب الموضوع.
كذلك هناك بعض الأشخاص الذين أعلنوا التخلّي عن دينهم، يقومون بإجراء مناظرات وبثوث مباشرة مع أشخاص ليسوا مؤهلين أو قادرين للدفاع عن معتقداتهم، فيظهر الأمر وكأن هذا الملحد قد انتصر في حربه الإعلامية الإفتراضية.
ما زلت أذكر تلك السجالات واللقاءات الحوارية على شكل مناظرات متلفزة بين أتباع مذاهب دينية، يمضون الليالي في الصراخ والتشكيك والإتهام والإدانة، يستند كل طرفٍ إلى مرجعياته أو إلى مصادر الطرف الآخر من أجل الإثبات أو التفنيد. لسنين طويلة بقيت تلك البرامج تزيد من الضغينة والشحناء والكراهية بين أتباع الأديان والمذاهب، لكن الطريف أن كل تلك المناظرات لم تحقق انتصاراً مؤزراً لهذا الطرف أو ذاكن لم تحدث عمليات ارتدادية عن مذهب أو معتقد. لم تمنح مذهباً سمة التفوّق والأحقية.
إن مثل هذه الحوارات أو السجالات أصبحت غايةً بذاتها، نتيجة حجم المتابعات لها، بل أصبحت وسيلة تدر العائد المادي المجزي للأطراف كلها.
لن تستطيع جميع الحوارات أن تقنع هندوسي بالتخلّي عن عبادة البقر، أو الزرادشتي عن تقديس النار، أو الإيزيدي عن اعتبار إبليس طاووس الملائكة، أن تقنع الشيعي عن عدم الزيارة إلى المراقد المقدسة لديه، أو تقنع أتباع الصوفية بالتخلّي عن كرامات أوليائهم، أن تقنع المسيحي أن الله لم يلد ولم يولد بحسب معتقد المسلمين. أو تقنع اليهودي أن التلمود لا يمت للدين بصلة. كذلك الأمر مع البوذي الذي يعبد بوذا بإعتباره المخلّص. أن تقنع المندائيين بعدم التعميد في الماء، وأن تغيّر من قناعات الكاكائيين والبروتستانت والأرثوذكس والكاثوليك، أن تقنع اليهود السامريين بعدم قداسة جبل جرزيم أو الطور.
إذا أدركنا ذلك، حينها يمكن أن تقوم حوارات متنوعة ومتعددة بين أتباع الأديان أو اللادينيين، ليس في سبيل إثبات خطيئتهم وصحة مسلكنا، بل للبحث عن طرق التعايش بيننا دون أن يكون هناك من يضع في صلب عقيدته أو مذهبه أو فكره الدعوة لإلغاء واستئصال الآخرين. هذا هو الحوار الوحيد الممكن بين أفراد وجماعات البشر، أن يحترم الجميع التنوّع والتعددية الدينية والفكرية، فيما المشترك الرئيس بين الجميع يتمثل في الإنسانية العامة الشاملة التي تجعلنا نرى الكرة الأرضية بمثابة بيتنا الوحيد وللجميع.
الكاتب من الأردن