الخطر الذي علينا تداركه
أسماء الجرادي …..
همس خفي يتربص بنا…
من يتوقع أن الاشياء التي قد نراها عنواناً للتقدم والرفاهية، تصبح السم البطيء الذي يسري في عروقنا؟
من يتوقع أن الكيس الذي نحمله لخمس دقائق فقط، ثم نلقيه بلا مبالاة في سلة المهملات أو على قارعة الطريق، سيبقى في أرضنا أكثر من مئة عامٍ، يقتلنا على مهل، ويدمر بيئتنا ؟
من يتوقع أن كل ما يجري من حولنا، و ما نعتقد أنه يفيدنا وييسر حياتنا، قد يتحول يوماً إلى ضرر خطير يهدد صحتنا وسلامة كوكبنا؟
إنه الخطر الذي علينا تداركه قبل أن يحكم قبضته على حياتنا ومستقبل أجيالنا.
هذا الخطر، الذي يرتدي ثوب الراحة والتقدم، قد يكون على شكل مواد بلاستيكية تتحول إلى سموم ناعمة وتتسلل إلى تفاصيل حياتنا، وهي لا تقل فتكاً عن القنابل والصواريخ، لأنها تراكم السموم في أجسادنا و تقتلنا ببطء .
فمع تزايد الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتساءل باستغراب: لماذا تزايدت الأمراض الخطيرة والأوبئة في زماننا؟ لماذا عاش أجدادنا الأولون أعماراً مديدة بصحة أفضل، ولم يعرفوا هذه الأمراض الفتاكة التي أصبحت اليوم جزءاً من واقعنا اليومي؟
لقد اعتقدنا أننا نتطور ونتقدم وننعم بالراحة، فيما نحن نجلب لأنفسنا كوارث. سراب التطور هذا أغرقنا في بحر من المواد الصناعية، وأبعدنا عن فطرتنا وعن نقاء الطبيعة.
نحن لم نتفكر يوماً أن نفس هذه السموم تأتي بطريقة ناعمة. عن طريق قراطيس وعلب وأوانٍ بلاستيكية نستخدمها يومياً.
وتأتي خطورتها في جانبين يهددان صحتنا وبيئتنا وهما:
1. أثناء الاستخدام اليومي: فالكثير منا يستخدم الأواني البلاستيكية بشكل متكرر، أو يحفظ فيها الطعام الساخن، معتقداً أنها آمنة وأنها أفضل تعقيماً. لكن الحقيقة العلمية هي أن سموم المواد البلاستيكية، بما فيها الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والجسيمات التي لا تُرى بالعين المجردة، تنتقل من الصحن أو العلبة أو الكأس إلى المادة التي نتناولها. مع كل لقمة أو رشفة، تمتص هذه الجزيئات الدقيقة إلى أجسادنا، لتكون بؤرة لأمراض خطيرة تتشكل تدريجياً، حتى قد يصعب علاجها.
2. بعد التخلص منها: عندما نرمي هذه المواد في الأرض، فإن رحلة البلاستيك لا تنتهي عند رميه. الكيس الذي استخدمته لدقائق يبقى في التربة لعشرات الأعوام،فبعضها أطول عمراً من
عمر الإنسان. هذه المواد لا تتحلل، وتطلق سموماً تلوث التربة والمياه الجوفية والهواء، وتعود سمومها إلينا عبر السلسلة الغذائية، مسببة تسمم الطعام والشراب، وتلوث البيئة بأكملها. ولا ننسى الأضرار الكارثية التي تعود علينا عند إحراق بعض هذه المواد، حيث تطلق غازات سامة خانقة تلوث الهواء والتربة.
لنتأمل قليلاً في مرآة الماضي النقي؛ أجدادنا، الذين عاشوا أعماراً مديدة بصحة وعافية، لم يعرفوا هذه الأمراض الفتاكة. كانوا يعتمدون على الطبيعة في كل شيء: يأكلون من زراعتهم، ويلبسون من صنعاتهم. فكان الناس يستخدمون جلود الحيوانات، وسعف النخيل، ومن أنواع التربة والأخشاب والصوف والقطن، والزجاج، والمعدن وكانوا يصنعون الأطباق والأكياس والملابس وجميع حاجياتهم بأيديهم. كانت حياتهم بسيطة، لكنها كانت نقية، خالية من سموم عصرنا، فعاشوا بعيداً عن الأورام والأمراض الأخرى التي تفتك بنا اليوم.
أما نحن، فكل عام يأتي أسوأ من سابقه، ومعظم ما حولنا أصبح مؤذياً لصحتنا. وللأسف، مع كل هذا وكل ما يجري وتزايد أعداد المرضى بشكل مخيف، إلا أننا نتجاهل ولا نتنبه ونتفكر بالأسباب الحقيقية التي أتت لنا بكل هذه الكوارث والأوبئة.
وإدراكاً لحجم هذا الخطر، أخذ المركز الوطني لمكافحة السرطان على عاتقه هذه المهمة لينبه الناس لما يضرهم. فاضافةً إلى جهوده العظيمة في تقديم رعاية المرضى وتقديم العلاجات المجانية لهم، وفي إقامة المنشآت العلاجية المتعددة في المحافظات، أخذ على عاتقه جانب التوعية. فأقام حملات التوعية، سواء بأنواع السرطان التي قد تصيب الإنسان وكيفية الوقاية منها، أو بالتوعية والتحذير من الأدوات المسببة لها. ومنها هذه الحملة وهي الحملة الحادية عشرة بالتوعية بمخاطر الأكياس البلاستيكية، وذلك لما تسببه هذه المواد من أضرار ومخاطر جسيمة على صحة الإنسان، وأنها قد تكون سبباً رئيسياً في التعرض لأنواع مختلفة من السرطانات والأمراض.
قد لا يصدق الكثير حينما نقول أن هذه المواد البلاستيكية سببٌ رئيسيٌ في عدة أمراض خطيرة ومنها:
أمراض القلب والسكر، والعقم، سرطانات الرئة وسرطان الأمعاء وسرطان الثدي و تليف الكبد ، والربو وأمراض الجهاز التنفسي، و تعرض الجنين لمخاطر صحية . وكذا التوتر العصبي والقلق، الذي أصبح سمة عصرنا.
هذه السموم تؤذينا ولا تكتفي انما تطول فتسبب أمراضاً لأجيالنا ومستقبلهم، عندما تصبح بيئتنا محملة بالسموم والأكياس الضارة. لأن هذه الأكياس تبقى في التربة لعشرات الأعوام. حيث تشير الإحصائيات إلى أننا عندما نستهلك 43 مليار كيس بلاستيكي في العام لمرة واحدة فقط. يعني أنه خلال 10 سنوات، سيكون لدينا 4 تريليونات كيس في البيئة لا يتحلل.
ولكي نتدارك هذا الخطر، علينا بخطوات قد تحدث فرقاً كبيراً ومنها:
1. لا تستخدم الأكياس والعلب البلاستيكية أكثر من مرة مهما كانت نظيفة. واعمل جاهداً على عدم استخدامها بشكل نهائي، أو اختر المواد التي تتحلل أويعاد تدويرها.
2. لا تحفظ الطعام الساخن في أواني بلاستيكية أبداً. فالحرارة تسرع من عملية إطلاق سمومه الخطيرة للجسم.
3. استخدم البدائل الطبيعية والآمنة مثل الخشب والورق أو المواد الكرتونية، وكذا الفخار، الزجاج، المعدن، الجلد، القطن. فهي أمان لك ولأهلك ولبيئتك.
إقامة حملات مقاطعة للمواد البلاستيكية وتشجيع الصناعات الأخرى صديقة البيئة لنقي أنفسنا وأجيالنا الأمراض. هذه الجهود يجب أن تكون متكاملة، تتضافر فيها الأيادي وتتوحد فيها الرؤى:
بين المواطن الذي عليه عمل حملة توعية ذاتية ومقاطعة لهذه المواد واستبدالها بمواد أخرى آمنة، وأن يكون قدوة في بيته ومجتمعه، وبين الدولة والقطاع الصناعي الخاص والعام باستبدال الصناعات التي قد تضر ببيئتنا وبصحتنا بمواد أخرى صحية، وتشجيع المبتكرين في الصناعات الصديقة للبيئة. بلادنا أرض مليئة بالخيرات، وهناك مواد تصلح في صناعة اواني فخارية ومعدنية وزجاجية ومواد خشبية وورقية وقطنية، يصلح الابتكار منها لإنتاج بدائل غير مضرة، تفتح آفاقاً جديدة لاقتصادنا وصحتنا.
هذا هو “الخطر الذي علينا تداركه” اليوم، قبل أن يتحول إلى وباء لا نملك له علاجاً غداً، وقبل أن تصبح المستشفيات ملاذنا خطر دخل بيوتنا متخفياً في كيس، متسللاً إلى طعامنا وشرابنا، فهل نملك الوعي الكافي، والشجاعة اللازمة، والإرادة الحقيقية لنخرجه من حياتنا؟
التغيير لا يبدأ بقرار دولة،قبل ان يكون بقرار منك أنت، أيها القارئ. قرار واعٍ ومسؤول. قاطع واحمل البديل.
فنحن وحدنا من بيدنا أن نحمي صحتنا، ونصون أرضنا، ونضمن مستقبلاً جميلاً لأبنائنا. إن هذا الخطر الذي يتربص بنا، يمكن تداركه: بالوعي الفردي، بالمسؤولية المجتمعية، وبالدعم الحكومي للصناعات البديلة. القرار بين أيدينا، فلنصنعه بحكمة وشجاعة، ولنكن نحن التغيير ليصلح حالنا.
#الحملة_الوطنية_الحادية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_الأكياس_البلاستيكية
#صندوق_مكافحة_السرطان
#الوقاية_تبدأ_باختيارك
الكاتبة من اليمن