حق الحياة… هل بقيت الكرامة حبيسة الورق؟

د. منى النحلاوي  …..

منذ أكثر من سبعة عقود والعالم يردد أن لكل إنسان حقًا أصيلًا في الحياة والكرامة ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استطاعت النصوص الدولية أن تحمي الإنسان فعلًا أم بقيت المبادئ حبيسة الوثائق والاقتراحات، بينما يواصل الواقع إعادة طرح السؤال ذاته؟
لم يكن اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر عام 1948 حدثًا عابرًا، بل جاء استجابةً لإحدى أكبر المآسي التي عرفها التاريخ الإنساني فقد كشفت الحربان العالميتان الأولى والثانية إلى أي مدى يمكن أن تتحول حياة الإنسان إلى مجرد رقم في معادلات الصراع الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى صياغة وثيقة تؤكد أن لكل إنسان حقًا في الحياة والكرامة والحرية.
وتنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: “يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق” ولم تكن هذه العبارة مجرد صياغة قانونية عابرة، بل استلهمت من أحد أهم المبادئ الفلسفية لدى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي رأى أن الإنسان يجب أن يُعامل دائما بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين فالأشياء لها ثمن أما الإنسان فله كرامة لا تُقدَّر بثمن.
ولكن التاريخ لا يُقرأ بالشعارات وحدها، بل بالأرقام أيضًا.
تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن الحرب العالمية الأولى خلّفت ما بين 15 و24 مليون وفاة، منهم نحو 9 إلى 11 مليون عسكري، وما بين 6 و13 مليون مدني. أما الحرب العالمية الثانية فقد كانت الأكثر دموية في التاريخ، إذ قُدِّر عدد ضحاياها ما بين 60 و80 مليون إنسان ودفع المدنيون الثمن الأكبر فيها بنسبة تراوحت بين 38 و55 مليون قتيل نتيجة العمليات العسكرية والإبادات الجماعية والمجاعة والأمراض المرتبطة بالحرب.
هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصاءات سردية، بل كانت الدافع الأخلاقي والسياسي الذي قاد إلى إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أملاً في ألا تتكرر المأساة وأن يصبح حق الإنسان في الحياة والكرامة قيمةً سامية لا تخضع لموازين القوة أو المصالح الضيقة.
واليوم، وبعد ما يقارب ثمانية عقود على صدور الإعلان وما تبعه من مواثيق واتفاقيات دولية، لا يزال العالم يشهد حروبًا ونزاعات تُزهق فيها أرواح المدنيين والعسكريين وتُدمَّر المدن ويُهجَّر الملايين وتتراجع معها مسيرة التنمية والعدالة والكرامة الإنسانية.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يزال مفتوحًا: هل أصبحت حقوق الإنسان حقيقة راسخة في وجدان الشعوب، أم أنها لا تزال تُستدعى عندما تتوافق مع المصالح، وتُغضّ عنها الأبصار عندما تتعارض معها؟
وربما لم يعد السؤال اليوم: هل يولد الإنسان حرًا ومتساويًا في الكرامة والحقوق؟ لكن: هل ما زال العالم يؤمن حقًا بما كتبه بيده عام 1948 أم أن الكرامة أصبحت مبدأً يُحتفى به في النصوص بينما يظل الإنسان (في كثير من بقاع الأرض) مجرد وسيلة في صراعات السياسة والاقتصاد والنفوذ؟

من مشروع العدالة الإنسانية والوعي الناقد

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا