فادي السمردلي يكتب: حين تُقتل المرأة مرتين مرة على يد الجاني ومرة على يد ثقافة لوم الضحية
بقلم فادي زواد السمردلي. …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث* #اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في كل مرة تقع فيها جريمة قتل بحق امرأة، لا تكون الخسارة في حياة إنسانة واحدة فقط، بل تكشف الجريمة أيضًا عن مشكلة أعمق في طريقة تعامل المجتمع مع هذه القضايا فبينما يفترض أن يكون السؤال الأول من ارتكب الجريمة؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة؟ نجد أن النقاش كثيرًا ما ينحرف نحو الضحية نفسها، وكأنها مطالبة بعد موتها بالدفاع عن اختياراتها وسلوكها وحياتها وهنا تبدأ عملية قتل ثانية، ليست بالرصاص أو العنف، بل بالكلمات والأحكام المسبقة التي تحمل الضحية مسؤولية ما حدث لها.
قتل المرأة جريمة واضحة لا تحتاج إلى تبرير، والمسؤول عنها هو من قرر استخدام العنف وإنهاء حياة إنسانة أخرى فلا توجد ملابس أو علاقة أو خلاف أو قرار شخصي يمكن أن يكون سببًا مقبولًا للقتل ولكن استمرار بعض الأصوات في البحث عن “أسباب” تتعلق بالضحية يخلق بيئة خطيرة تجعل الجريمة تبدو وكأنها نتيجة طبيعية لظروف معينة، بدل أن تكون فعلًا إجراميًا يتحمل مسؤوليته الجاني وحده.
المشكلة لا تبدأ فقط عند وقوع الجريمة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تنتشر أفكار تبرر السيطرة على المرأة أو التعامل معها باعتبارها مسؤولة عن حماية نفسها من الآخرين بدل أن يكون المجتمع والدولة مسؤولين عن حمايتها فعندما تُطلب من المرأة دائمًا الحيطة والخوف والصمت، بينما لا يُطلب من المعتدي احترام القانون والإنسان، فإننا نضع العبىء على الطرف الخطأ ونترك جذور العنف دون مواجهة.
إن ثقافة لوم الضحية ليست مجرد تعليقات عابرة أو آراء فردية، بل هي جزء من مشكلة اجتماعية تؤثر على قدرة النساء على طلب المساعدة فالمرأة التي تتعرض للتهديد أو العنف قد تتردد في الإبلاغ لأنها تخشى أن تتحول من ضحية إلى متهمة، وأن يتم التحقيق في تصرفاتها بدلًا من التحقيق في تصرفات المعتدي وهذا الخوف قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج مأساوية كان يمكن منعها لو وجدت استجابة حقيقية وحماية فعالة.
من أكثر الأسئلة التي تكشف حجم المشكلة لماذا نبحث عن تفاصيل حياة المرأة بعد مقتلها، ولا نبحث بالقدر نفسه عن تاريخ المعتدي وسلوكه وتهديداته؟ لماذا تصبح الضحية موضوعًا للنقاش، بينما يختفي الجاني أحيانًا خلف تفسيرات مثل الغضب أو الغيرة أو الخلافات الشخصية؟ إن استخدام هذه المبررات لا يخفف من خطورة الجريمة، بل يمنح العنف مساحة للانتشار ويضعف فكرة أن حياة الإنسان لا يمكن أن تكون محل مساومة.
هنا تظهر مسؤولية أصحاب القرار والمؤسسات الرسمية في التعامل مع جرائم قتل النساء باعتبارها قضية حماية وأمن مجتمعي، وليست مجرد حوادث منفصلة والمطلوب هو تطوير آليات واضحة للاستجابة لبلاغات العنف والتهديد، وضمان وصول النساء إلى الحماية قبل وقوع الجريمة، إضافة إلى تطبيق القانون بشكل حازم على مرتكبي العنف دون أي تبريرات أو استثناءات.
كما أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى تغيير في الثقافة العامة، وهذا يتطلب دورًا حقيقيًا من المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية فالأجيال الجديدة تحتاج إلى تعلم أن الاحترام والمساواة وسيادة القانون ليست شعارات، بل قيم أساسية تمنع العنف وتحمي المجتمع كما يجب أن يتغير الخطاب الذي يسأل المرأة دائمًا عن سبب تعرضها للأذى، بدل أن يسأل المعتدي عن سبب ارتكابه للجريمة.
للإعلام مسؤولية كبيرة في طريقة تناول هذه القضايا. فالتغطية التي تركز على تفاصيل حياة الضحية أو تنقل الشائعات أو تبحث عن مبررات للجريمة قد تساهم في تعميق الظلم. أما الصحافة المسؤولة فهي التي تضع الجريمة في إطارها الصحيح، وتحافظ على كرامة الضحية، وتطرح الأسئلة حول أسباب العنف، وثغرات الحماية، ومسؤولية الجهات التي كان يمكن أن تتدخل لمنع المأساة.
ولا يعني رفض لوم الضحية تجاهل مسؤولية المجتمع في الوقاية أو نشر الوعي، بل يعني وضع المسؤولية في مكانها الصحيح. فمن حق المجتمع أن يناقش أسباب انتشار العنف، وأن يبحث عن حلول، لكنه لا يملك أن يحول الضحية إلى طرف مسؤول عن الجريمة التي ارتُكبت بحقها فهناك فرق كبير بين التوعية التي تهدف إلى الحماية، وبين اللوم الذي يبرر المعتدي ويزيد معاناة الضحية.
إن المرأة التي تُقتل تُفقد حياتها مرة على يد الجاني، لكنها قد تُظلم مرة أخرى عندما تُختصر قصتها في أسئلة وشكوك وأحكام بدل أن تكون قضيتها مطالبة بالعدالة وهذا الظلم الثاني لا يقل خطورة، لأنه يكشف عن خلل في نظرة المجتمع إلى الجريمة والضحية والمسؤولية.
المجتمع الذي يريد وقف قتل النساء عليه أن يبدأ بتغيير السؤال لا يجب أن يكون السؤال ماذا فعلت المرأة حتى حدث لها ذلك؟ بل يجب أن يكون: من الذي ارتكب الجريمة؟ ولماذا لم نستطع حمايتها؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا تتكرر المأساة مع امرأة أخرى؟
فحماية النساء ليست قضية تخص النساء وحدهن، بل هي اختبار حقيقي لمدى احترام المجتمع للإنسان وحقه في الحياة والأمان وعندما يصبح رفض العنف موقفًا جماعيًا واضحًا، وعندما تصبح محاسبة الجاني أولوية لا البحث عن الأعذار، عندها فقط يمكن القول إننا بدأنا الطريق نحو عدالة حقيقية.هذه نسخة موسعة بفقرات متقاربة الطول وبنبرة صحفية رأي موجهة للمجتمع وصنّاع القرار.
الكاتب من الأردن