تمردت الأخلاق… وسقطت الكلمة في مستنقع الكراهية !
محي الدين غنيم …..
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي في عالمنا العربي مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات حرب مفتوحة، تُطلق فيها أبشع الشتائم، وتُغتال فيها الأخلاق، ويُقتل فيها الاحترام على مرأى ومسمع من الجميع.
وصلنا إلى مرحلة تدعو إلى القرف والغثيان، حين أصبح شعب عربي يهاجم شعبًا عربيًا آخر بأقسى العبارات، وحين امتلأت الصفحات باللعن والتخوين والتكفير والإهانات، وكأننا نسابق الزمن في تمزيق ما تبقى من روابط الأخوة والانتماء.
المؤلم أن كثيرًا ممن يكتبون خلف الشاشات ينسون أن الكلمة مسؤولية، وأن الاختلاف في الرأي لا يبرر الانحدار الأخلاقي ولا يمنح أحدًا حق إهانة الآخرين أو التعدي على كراماتهم. لقد أصبح البعض يفرغ غضبه وإحباطه في منشورات وتعليقات لا تحمل إلا الحقد والكراهية، حتى غابت الحكمة، واختفى الحوار، وحلت محلها لغة السب والشتم.
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلافات سياسية أو فكرية، بل حالة من التآكل الأخلاقي، حيث تحولت بعض المنصات إلى مصانع للفتنة، وأصبحت الكلمة الجارحة أسرع انتشارًا من الكلمة الطيبة، وأصبح الباحث عن الإعجابات والمشاهدات مستعدًا لإشعال الحرائق بين الشعوب مقابل دقائق من الشهرة الزائفة.
لقد وصل كثيرون إلى مرحلة يتمنون فيها لو ينقطع الإنترنت، ليس كرهًا بالتكنولوجيا، بل هروبًا من هذا السيل الجارف من الإساءة والبذاءة والتحريض الذي يلوث العقول قبل الشاشات. فما قيمة منصات التواصل إذا كانت تنشر الكراهية أكثر مما تنشر المحبة، وتبني الجدران بدل الجسور؟
إن أمتنا العربية تواجه تحديات كبرى تستوجب الوعي والتماسك، لا مزيدًا من الانقسام والتراشق والإساءة. فلا رابح في معارك الشتائم، ولا منتصر في حروب الكراهية، والخاسر الحقيقي هو مجتمعاتنا وأجيالنا التي تنشأ وهي ترى أن السب والشتم أصبحا لغة الحوار.
لقد آن الأوان لأن نستعيد احترام الكلمة، وأن ندرك أن قوة الإنسان ليست في ارتفاع صوته ولا في قسوة عباراته، بل في رقي أخلاقه، وقدرته على الاختلاف دون إساءة، وعلى الدفاع عن رأيه دون أن يهدم كرامة الآخرين.
فالأوطان لا تُبنى بالشتائم، والأمة لا تنهض بالكراهية، والكلمة الطيبة ستبقى أقوى من ألف إساءة، مهما علا ضجيج الفتنة على شاشات الهواتف.
الكاتب من الأردن