كيف تحول “النقوط” من عاطفة إلى عبء اقتصادي؟

بقلم: سامي العتيلات  ……

*لا يستطيع الإنسان أن يعيش بمعزل عن مجتمعه؛ فقد دعت الرسالات السماوية إلى توثيق أواصر التكافل والتعارف، كما جاء في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)..وتجسد لهذا التضامن في الحديث النبوي الشريف الذي يصف المؤمنين بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. ومن هذا المنطلق الإنساني الأصيل، نشأت ممارسات اجتماعية مثل “نقوط العريس”، ليكون يداً تمتد بالدعم، وعوناً لوالد العريس على تكاليف الزفاف في إطار من التراحم والتكافؤ.
غير أن تعقيدات الحياة المعاصرة وطغيان حب المظاهر حوّلا هذا العرف الجميل من أداة للتخفيف إلى غلٍّ يطوق أعناق الأسر.
فعادة “النقوط”، التي بُنيت أساساً على التكافل والتضامن والتهادي بين الناس، تحولت في كثير من الأحيان من مبدأ “تهادوا تحابوا” إلى عبء مالي ثقيل ودَين غير مكتوب يرهق الكاهل، خصوصاً مع الظروف الاقتصادية الصعبة وتزاحم المناسبات.
و​يأتي هذا العبء في وقت تواجه فيه الأسر الأردنية ظروفاً اقتصادية بالغة التعقيد، تتعدى حدود النقوط نفسه لتشمل تكاليف التنقل والمحروقات المرتفعة لمجرد الوصول إلى تلك المناسبات. وتتضاعف هذه الضغوط أمام الالتزامات الأساسية الثقيلة، من فواتير المياه والكهرباء والاتصالات، ومستلزمات المعيشة الشهريّة، وتكاليف صيانة وتراخيص المركبات والقروض من البنوك، ناهيك عن العبء الأكبر الذي يسننزف ميزانيات العائلات من مصاريف المدارس، ومتطلبات “التوجيهي” المرهقة التي تستنزف ايضاً الدخل طلباً لمعدل قد لا يلبي الطموح في اغلب الاحيان ، ثم مرحلة التعليم الجامعي ذات الكلفة الباهظة.
إن الحفاظ على النسيج الاجتماعي لا يعني الاستسلام لعادات عفا عليها الزمن وأثقلت كاهل المجتمع. لقد آن الأوان لإعادة النظر في شكل المناسبات الاجتماعية، بالحد من المظاهر ، واقتصار الأعراس على الدائرة المقربة من الأهل مثلا دون الالزام بالنقوط، واستعادة المعنى الحقيقي للنقوط كدعم اختياري قائم على المودة لا على التكلف.
إن التخفيف عن كاهل الأسر اليوم ليس مجرد خيار فردي، بل هو ضرورة مجتمعية وحاجة ملحة لحماية بيوتنا من الإرهاق المادي، ولتبقى علاقاتنا الإنسانية مبنية على صلة الرحم والمحبة الخالصة، بعيداً عن قيود المال والمظاهر.
عادة “النقوط”، التي بُنيت أساساً على التكافل والتضامن والتهادي بين الناس، تحولت في كثير من الأحيان من مبدأ “تهادوا تحابوا” إلى عبء مالي ثقيل ودَين غير مكتوب يرهق الكاهل، خصوصاً مع الظروف الاقتصادية الصعبة وتزاحم المناسبات.
و​عندما تصبح العائلة كبيرة ويكون للعريس إخوة كُثر، تتحول المسألة بالفعل إلى معادلة غير متكافئة للضيوف، وتتجلى هذه الإشكالية في عدة نقاط:
منها ​تراكم الالتزامات المالية فالشخص الذي يُدعى إلى سبعة أعراس لبيت واحد ولنفس الاب بفترات زمنية يستشعر صعوبة الموقف، لأنه ملزم أخلاقياً واجتماعياً بنقوط كل واحد منهم بنفس القيمة تقريباً حتى لا يُتهم بالتقصير، مما يستنزف ميزانية أسرته.
​فكرة “الاستردادالمضاعف” فالأب الذي يزوّج أبناءه السبعة يحصل على “النقوط” سبع مرات من نفس الأشخاص، بينما المدعي أو المنقط إذا كان لديه ولد واحد أو اثنان فقط، فلن يسترد سوى جزء بسيط جداً مما دفعه على مدار السنوات، مما يولد إحساساً بعدم العدالة المالية!!.
أيضا ​تداخل المناسبات بنفس الفترة كثيراً ما تتزامن أعراس أقارب أو أصدقاء آخرين في نفس الموسم طبعا في فصل الصيف فيجد الشخص نفسه أمام ميزانية أعراس تعادل راتب شهر أو أكثر.
وأخيراُ ف​إن خيار التخفيف على الناس هو أقرب للرحمة والمودة التي حث عليها ديننا وأخلاقنا. فلنبدأ بأنفسنا، ولنعلن في مناسباتنا أن الفرحة تجمعنا وحضوركم هو المطلب، وإن كان ولا بد، فليكن النقوط لأول الفرح (أكبر الأبناء) فقط، وليبقى ما بعده مباركة ودعاءً بالخير والبركة دون إثقال على أحبتنا وأقاربنا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا