فادي السمردلي يكتب: وصفي التل… عندما كانت الدولة مشروعاً لا مجرد إدارة

بقلم فادي زواد السمردلي. …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

هناك شخصيات لا تبقى في ذاكرة الناس بسبب المنصب الذي شغلته فقط، بل بسبب الفكرة التي ارتبطت بها وشخصيات أخرى تصبح جزءاً من الحديث العام لأنها تركت أثراً تجاوز سنوات وجودها. ومن بين هذه الشخصيات في التاريخ الأردني يبقى اسم الشهيد وصفي التل حاضراً، ليس فقط كرئيس وزراء سابق، بل كنموذج ارتبط في أذهان كثير من الأردنيين بمعنى رجل الدولة.

عندما نتحدث عن وصفي التل، فإن الحديث لا يجب أن يكون عن شخص فقط، بل عن مرحلة وفكرة وطريقة في فهم المسؤولية العامة فقد كان يرى أن الدولة ليست مجرد مؤسسات تعمل بشكل روتيني، بل مشروع يحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى رجال يؤمنون بأن خدمة الوطن مسؤولية قبل أن تكون موقعاً أو منصباً.

ولد وصفي التل في مرحلة كانت المنطقة فيها تمر بتحولات كبيرة، وعاش زمناً كانت فيه قضايا بناء الدولة والاستقلال وتثبيت المؤسسات من أكبر التحديات وقد ساهمت تجربته العسكرية والسياسية في تشكيل شخصيته، وجعلته قريباً من مفهوم الدولة القوية القائمة على الانضباط والعمل والاعتماد على الذات.

ربما أكثر ما جعل وصفي التل قريباً من ذاكرة الأردنيين هو الصورة التي ارتبطت به؛ صورة المسؤول الذي ينزل إلى الميدان، ويتابع التفاصيل، ويؤمن بأن المسؤولية لا تكون من خلف المكاتب فقط، بل من خلال معرفة واقع الناس ومشكلاتهم.

كان يؤمن بأن الدولة تحتاج إلى الإنتاج والعمل، وأن الاعتماد على النفس هو الطريق لبناء وطن قادر على مواجهة التحديات ولذلك ارتبط اسمه لدى الكثيرين بفكرة المشروع الوطني الذي يسعى إلى تطوير الزراعة والاقتصاد وتعزيز قدرة الأردن على الاعتماد على إمكاناته.

لكن قراءة أي شخصية تاريخية تحتاج دائماً إلى نظرة متوازنة فالشخصيات العامة تكون محل نقاش واختلاف، وهذا أمر طبيعي في حياة الدول ولكن ما يبقى مهماً هو الدروس التي يمكن أن نستفيد منها، وخاصة في مفهوم المسؤولية والقيادة وخدمة الوطن.

إن أحد أهم الدروس التي يمكن استحضارها من تجربة وصفي التل هو أن رجل الدولة لا يقاس فقط بما يقوله، بل بما يتركه من أثر. فالمواطن يتذكر المسؤول عندما يشعر أن هناك من يعمل من أجله، وأن القرارات مرتبطة بمصلحة الوطن والمجتمع.

وفي زمننا الحالي، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة معنى الدولة كمشروع فالدولة ليست فقط قوانين ومؤسسات، بل هي ثقة بين المواطن والمسؤول، وهي شعور بأن الجميع يعملون نحو هدف واحد.

لقد كان الجيش العربي الأردني جزءاً مهماً من شخصية وصفي التل وتجربته، فقد كان قريباً من المؤسسة العسكرية، ويعرف قيمة الانضباط والتضحية التي يحملها أبناء الجيش فالجيش بالنسبة له لم يكن فقط قوة دفاع، بل مدرسة وطنية غرست قيم الالتزام والانتماء وخدمة الأردن.

إن الحديث عن وصفي التل يعيدنا إلى سؤال أكبر ما الذي نريده من رجال الدولة اليوم؟ هل نريد مسؤولاً يدير الملفات فقط، أم قائداً يمتلك رؤية ويشعر بمسؤولية المرحلة؟

الأردن اليوم، كما كان في الماضي، يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن المناصب ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الناس وتحقيق الإنجاز. فالدول لا تبنى بالأسماء فقط، بل بالعقول والإرادات التي تحمل همّ المستقبل.

وربما لهذا السبب بقي اسم وصفي التل حاضراً في النقاش الوطني لأن كثيراً من الأردنيين لا يبحثون فقط عن شخصية من الماضي، بل يبحثون عن قيم يرون أنها ضرورية في الحاضر: الجدية، والانتماء، والقدرة على اتخاذ القرار.

في النهاية، فإن استحضار سيرة وصفي التل لا يعني العيش في الماضي، بل يعني البحث عن الدروس التي تساعدنا في بناء المستقبل. فكل جيل يحتاج إلى نماذج يتعلم منها معنى المسؤولية، وإلى شخصيات تذكره بأن بناء الوطن يحتاج إلى عمل وإيمان قبل أي شيء آخر.

فالدولة التي حلم بها رجال مثل وصفي التل لم تكن مجرد حدود ومؤسسات، بل كانت وطناً يشعر كل مواطن فيه أن له مكاناً ودوراً ومستقبلاً.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا