فادي السمردلي يكتب: أين ذهبت هيبة الدولة؟ بين احترام القانون وثقة المواطن
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
منذ أن عرف الإنسان معنى الدولة، كانت هيبة الدولة مرتبطة دائماً بقدرتها على حماية القانون، وتحقيق العدالة، وبناء الثقة بينها وبين مواطنيها فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها فقط، بل تلك التي يشعر المواطن فيها بالأمان، ويعرف أن القانون فوق الجميع، وأن الحقوق محفوظة، وأن المسؤولية لا تختلف باختلاف الأشخاص.
وعندما نتحدث عن هيبة الدولة في الأردن، فإننا لا نتحدث عن القوة بمعناها الصارم فقط، بل نتحدث عن احترام المؤسسات، وعن شعور المواطن بأن الدولة موجودة لخدمته وحماية مستقبله فالهيبة الحقيقية لا تُفرض بالخوف، بل تُبنى بالعدل والإنجاز والثقة.
لقد عرف الأردنيون عبر تاريخهم قيمة الدولة، وكان المجتمع الأردني دائماً مرتبطاً بمؤسساتها فالأردني الذي وقف مع وطنه في الظروف الصعبة لم يكن يدافع عن أرض فقط، بل كان يدافع عن فكرة الدولة التي تجمع الجميع وتحفظ الأمن والاستقرار.
وكان من أهم عوامل قوة الأردن أن مؤسساته الوطنية بقيت حاضرة في وجدان الناس، وفي مقدمتها الجيش العربي الأردني والأجهزة الأمنية، التي حملت مسؤولية حماية الوطن والمحافظة على أمنه في مراحل مختلفة.
لكن هيبة الدولة لا تُبنى بالقوة الأمنية وحدها، فالقوة الحقيقية للدولة تبدأ عندما يشعر المواطن أن القانون عادل، وأن الفرص متاحة، وأن صوته مسموع فالمواطن لا يريد فقط دولة قوية، بل يريد دولة عادلة يشعر أنه شريك فيها.
في السنوات الأخيرة، ظهرت الكثير من الأسئلة التي تشغل المواطن الأردني حول العلاقة بينه وبين مؤسسات الدولة فهناك من يشعر بأن المسافة بين المواطن والمسؤول أصبحت أكبر، وهناك من يرى أن بعض القضايا تحتاج إلى معالجة تعيد الثقة وتعزز الشعور بالشراكة الوطنية.
وهنا يجب أن ندرك أن الثقة لا تأتي من الكلمات، بل من الأفعال فالمواطن عندما يرى تطبيق القانون بعدالة، وعندما يرى أن الكفاءة هي معيار الاختيار، وعندما يشعر أن جهده مقدر، فإنه يصبح أكثر ارتباطاً بالدولة وأكثر استعداداً للدفاع عنها.
وفي المقابل، فإن احترام الدولة لا يعني غياب النقد. فالمواطن الذي ينتقد من أجل الإصلاح ليس خصماً للدولة، بل هو جزء من حمايتها فالدول القوية هي التي تستمع إلى مواطنيها وتتعامل مع الملاحظات باعتبارها فرصة للتطوير ويبقى النقد المسؤول، في إطار احترام الدستور والقانون، وسيلة من وسائل بناء الدولة لا هدمها.
لقد تربى الأردنيون تاريخياً على احترام الدولة ومؤسساتها، وكانت قيم مثل الانتماء والالتزام وتحمل المسؤولية جزءاً من ثقافة المجتمع ولكن الحفاظ على هذه القيم يحتاج إلى تجديد دائم، خاصة في ظل عالم تغيرت فيه طريقة تفكير الأجيال الجديدة.
فالجيل الجديد يريد أن يرى نموذجاً واضحاً للدولة التي تحترم طموحه، وتوفر له الفرصة، وتفتح أمامه أبواب المشاركة وهذا لا يقل أهمية عن أي إنجاز آخر، لأن الشباب هم من سيحملون مسؤولية الأردن في المستقبل.
إن هيبة الدولة لا تعني أن تكون الدولة بعيدة عن الناس، بل على العكس، أقوى الدول هي التي تكون قريبة من مواطنيها، تعرف مشاكلهم، وتعمل على حلها، وتبني جسور الثقة معهم.
وعندما نستعيد نماذج رجال الدولة الذين آمنوا بقوة المؤسسات والانضباط والمسؤولية، فإن الهدف ليس العودة إلى الماضي، بل تذكر القيم التي جعلت الدولة قادرة على تجاوز التحديات.
الأردن اليوم بحاجة إلى دولة قوية عادلة، وإلى مواطن واعٍ يعرف أن الحفاظ على الوطن ليس مسؤولية جهة واحدة فاحترام القانون يبدأ من الفرد، وهيبة الدولة تبدأ عندما يشعر الجميع أن القانون يحميهم جميعاً دون استثناء.
في النهاية، هيبة الدولة ليست شعاراً يرفع، ولا صورة تُعرض، بل هي علاقة يومية بين المواطن ومؤسسات وطنه فإذا قويت الثقة، قويت الدولة، وإذا شعر المواطن أن وطنه يحميه ويمنحه الأمل، فإنه سيكون أول من يدافع عنه.
فالدولة التي يحترمها أبناؤها ليست الدولة التي تخافهم، بل الدولة التي يثقون بها ويؤمنون بأنها بيتهم جميعاً.
الكاتب من الأردن