فادي السمردلي يكتب: وجوه مستهلكة وتصريحات مفخخة لإشعال الأردنيين
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
هناك فرق كبير بين إعلام يبحث عن الحقيقة، وإعلام يبحث عن «الترند». فرق بين صحفي يفتح ملفاً لأنه يريد أن يضيف شيئاً للمشهد، ومنصة تفتش عن اسم مستهلك، أو شخصية انتهى حضورها، فقط لأنها تعرف أن تصريحاً واحداً منها لعدم السيطرة الذهنية قادر على إشعال مواقع التواصل فالمشكلة هنا ليست في الضيف وحده، بل في المنصة التي قررت أن تمنحه مساحة وهي تعرف مسبقاً أن لا قيمة حقيقية ستُضاف سوى مزيد من الجدل والضجيج.
كأردني، يزعجني جداً أن أرى بعض المنصات التي تقدم نفسها باعتبارها إعلاماً مهنياً، وهي تعيد تدوير الوجوه ذاتها، وكأن الأردن عاجز عن إنجاب أصحاب فكر ورأي وخبرة وتجربة فلماذا نبحث دائماً عن الشخص الذي سيقول الكلام الأكثر استفزاز إن لم يكن غباءاً؟ لماذا لا نبحث عن الخبير الذي يمتلك معلومة؟ عن الأكاديمي الذي يقدم تحليلاً؟ عن الشاب الذي يحمل فكرة؟ عن صاحب التجربة الذي لا يعاني من مرض الزهايمر او انفصام الشخصية ويستطيع أن يضيء زاوية لا يعرفها الناس؟
الإعلام ليس مسابقة لاختيار أكثر الأشخاص قدرة على استفزاز الأردنيين وليس كل تصريح صادم خبراً، وليس كل شخص مثير للجدل ضيفاً مهماً، وليس كل جملة مستفزة تستحق أن تتحول إلى حلقة كاملة فالصحافة الحقيقية لا تقاس بكمية الغضب الذي تخلقه، بل بحجم المعرفة التي تضيفها. أما تحويل الاستفزاز إلى سلعة إعلامية، فذلك يعني ببساطة أن المشاهدة أصبحت أهم من الرسالة، وأن الأرقام أصبحت أهم من المهنية.
الأردنيون ليسوا جمهوراً ساذجاً حتى يتم التعامل معهم بهذه الطريقة فهذا شعب يعرف جيداً من يتحدث من موقع المسؤولية، ومن يبحث عن الأضواء او من يحاول إحياء نفسه من الموت ومن يعرف الفرق بين النقد الوطني الصادق وبين الكلام الذي يُلقى كحجر في بركة فقط لمعرفة حجم الدوائر التي سيصنعها وقد نختلف، وقد نغضب، وقد ننتقد، لكن هذا لا يعني أن كل استفزاز يجب أن يحصل تلقائياً على منصة إعلامية واسعة.
الأكثر إزعاجاً أن بعض هذه المنصات تعرف تماماً ما الذي تفعله. تعرف أن الاسم سيجذب المشاهد، وأن التصريح سيشعل التعليقات، وأن الغاضبين سيشاركون المقطع، وأن كل مشاركة ستتحول إلى رقم جديد في عداد المشاهدات وهكذا تصبح المعادلة سهلة استفزاز، ثم غضب، ثم تعليقات، ثم مشاهدات. لكن أين الصحافة في كل ذلك؟ أين المعلومة؟ أين التحقيق؟ أين السؤال الحقيقي؟ وأين القيمة التي سيخرج بها المواطن بعد انتهاء الحلقة؟
نحن في الأردن لا ينقصنا الأشخاص القادرون على صناعة الضجيج، بل ينقصنا إعطاء المساحة الكافية للأشخاص القادرين على صناعة القيمة فلدينا خبراء وأكاديميون ومختصون وشباب وأصحاب تجارب، ولدينا ملفات حقيقية تستحق ساعات من النقاش الجاد. البطالة، الاقتصاد، التعليم، الاستثمار، الإدارة، الخدمات، مستقبل الشباب، وتحديات الدولة؛ كل هذه الملفات أهم بكثير من مطاردة تصريح مستفز لشخص لم يعد لديه ما يقدمه سوى إعادة إنتاج نفسه.
أنا لا أطالب بإعلام بلا نقد، ولا بإعلام بلا رأي، ولا أطالب بمنع أحد من الحديث على العكس، ليقل الجميع ما يريدون، وليختلف الجميع كما يشاؤون لكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي مقابلة هو لماذا هذا الشخص تحديداً؟ وماذا سيضيف؟ وهل لدينا ما يستحق أن يسمعه الناس منه؟ أم أن الإجابة ببساطة هي أننا نعرف أنه سيقول شيئاً يغضب الأردنيين، وبالتالي سيمنحنا مشاهدات أكثر؟
الصحافة الأردنية تستحق أفضل من هذا العبث وتستحق المنصات الإعلامية أن ترفع سقف المهنية، لا أن تخفضه إلى مستوى مطاردة التعليقات وليس عيباً أن تبحث الوسيلة عن الانتشار، فالانتشار جزء من الإعلام الحديث، لكن العيب أن يتحول الانتشار إلى الغاية الوحيدة، وأن تصبح الحقيقة تفصيلاً، والمهنية عبئاً، والضيف مجرد أداة، والجمهور مجرد رقم في شاشة الإحصاءات.
نحن بحاجة إلى إعلام يجعل المواطن يفكر، لا إعلاماً يجعله يغضب فقط ونحتاج إلى صحافة تفتح الملفات التي تمس حياة الناس، وتستضيف من يملك معرفة حقيقية، وتطرح الأسئلة الصعبة، وتضع المسؤول والخبير وصاحب القرار أمام الرأي العام أما أن نستمر في تدوير الوجوه المستهلكة وإعادة تقديم التصريحات ذاتها، ثم نتعامل مع حجم الغضب باعتباره نجاحاً إعلامياً، فهذه ليست مهنية هذا كسل مهني مغلف بالإثارة.
وفي النهاية، يحق لكل أردني أن يسأل أي منصة إعلامية سؤالاً بسيطاً جداً بعد كل لقاء: ماذا أضفتَ لي؟ إذا كانت الإجابة لا تتجاوز الغضب والجدل والمشاهدات، فالمشكلة ليست في الجمهور الذي انتقد، ولا في الضيف الذي استفز، بل في المنصة التي اختارت منذ البداية أن تجعل من الاستفزاز منتجها الإعلامي. الأردن لا يحتاج مزيداً من الضجيج الأردن يحتاج إعلاماً يعرف قيمة الكلمة، ويحترم عقل المواطن، ويدرك أن المنبر مسؤولية، وليس ماكينة لإنتاج «الترند».
الكاتب من الأردن