فادي السمردلي يكتب: حين يصبح الخبز والطاقة قضية أمن وطني

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم يعد الأمن الغذائي وأمن الطاقة في الأردن ملفين اقتصاديين يمكن التعامل معهما بالأرقام والتقارير، بل أصبحا جزءًا من صميم الأمن الوطني وتؤكد التوجيهات الملكية الأخيرة ضرورة تعزيز المخزون الاستراتيجي من الغذاء والطاقة، ورفع جاهزية منظومة الإمداد لمواجهة التطورات الإقليمية والدولية.

الأردن لا يملك رفاهية انتظار الأزمة.فمحدودية الموارد والاعتماد على الاستيراد يجعلان أي اضطراب في الأسواق أو طرق النقل والإمداد قابلًا للانتقال سريعًا إلى حياة المواطن، عبر ارتفاع الأسعار أو نقص السلع أو تعطل بعض الخدمات ولذلك فإن الأمن الغذائي لا يعني فقط امتلاء رفوف المتاجر، بل ضمان استمرار الإمدادات، وتعدد مصادر الاستيراد، وتوفير مخزونات استراتيجية، وامتلاك بدائل للنقل والتخزين والتوزيع.

والخطر لا يأتي بالضرورة في صورة حرب فقد يكون ارتفاعًا مفاجئًا في أسعار النفط، أو اضطرابًا في الملاحة، أو أزمة في دولة منتجة للقمح، أو ارتفاعًا في كلفة الشحن، أو أزمة مناخية تضرب الإنتاج الزراعي وفي عالم مترابط، قد تتحول أزمة بعيدة إلى مشكلة داخل السوق الأردني خلال أيام.

لذلك لا يكفي السؤال هل لدينا مخزون؟ بل يجب أن نسأل كم يكفي؟ وكيف يُدار؟ وما سرعة تعويضه؟ وما البدائل إذا تعطلت خطوط الإمداد؟ وهل توجد خطط جاهزة لأزمة تمتد أسابيع أو أشهر؟

وفي الطاقة، تبدو المعادلة أكثر حساسية، لأن الكهرباء والنقل والمياه والصناعة والصحة والاتصالات كلها مرتبطة باستمرارية الإمداد ومن هنا تأتي أهمية تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الاعتماد على المصادر المحلية والمتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية، وعدم الارتهان لمصدر واحد.

أما الغذاء، فالمخزون الاستراتيجي ضرورة لكنه ليس حلًا دائمًا والمطلوب أيضًا دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وحماية الأراضي الزراعية، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتطوير التخزين وتقليل الفاقد، وتشجيع الصناعات الغذائية، وربط الإنتاج باحتياجات السوق.

وقد أظهرت المؤشرات الدولية تحسنًا في عدد من مؤشرات الأمن الغذائي في الأردن، لكن ذلك لا يعني أن المملكة أصبحت محصنة من الصدمات فالتحدي الحقيقي هو القدرة على استمرار الإمداد عندما تضطرب الأسواق أو تتعطل سلاسل التوريد.

وهنا يأتي دور القطاع الخاص كشريك أساسي في التخزين والنقل والتوزيع، لكن ضمن رقابة فعالة تمنع الاحتكار والمضاربة واستغلال الأزمات كما أن إدارة الأزمات يجب ألا تبدأ عند وقوعها بل تحتاج إلى منظومة إنذار مبكر تراقب أسعار الطاقة والغذاء والشحن والإنتاج الزراعي والمخاطر الجيوسياسية، وتحول المعلومات إلى قرارات سريعة.

والأخطر هو إدارة الأمن الغذائي والطاقة بمنطق رد الفعل فانتظار ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات ثم البحث عن البدائل يعني دخول المعركة متأخرين أما الاستعداد المسبق فيمنح الدولة مساحة للمناورة ويخفف الكلفة على الاقتصاد والمواطن.

وفي أوقات الأزمات، يصبح ضبط الأسواق جزءًا من الأمن الوطني فوجود السلع وحده لا يكفي فالمطلوب أن تصل إلى المواطن بسعر عادل، لأن الاحتكار والتخزين غير المشروع والمضاربة قد تحول أزمة إمداد محدودة إلى أزمة معيشية واسعة.

الأردن لا يستطيع التحكم في أسعار النفط العالمية أو الحروب أو اضطرابات التجارة الدولية، لكنه يستطيع تقليل آثارها وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي ألا تمنح الظروف الخارجية القدرة على التحكم في خبز المواطن أو طاقته أو قدرة الاقتصاد على الاستمرار.

وحين يصبح الخبز والطاقة قضية أمن وطني، فإن المطلوب ليس الشعارات، بل بناء قدرة حقيقية على الصمود، تبدأ بالمخزون ولا تنتهي عنده، وتشمل الإنتاج المحلي، وتنويع الطاقة، والنقل، والتخزين، والمعلومات، والرقابة، والشراكة مع القطاع الخاص.

الاستعداد للأسوأ ليس تشاؤمًا، بل مسؤولية وطنية.لأن كلفة الاستعداد، مهما بلغت، تبقى أقل بكثير من كلفة العجز عندما تتوقف الإمدادات وتبدأ الأسواق بالارتباك.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا