حين يموت الإنسان… تبدأ حفلة النفاق !

محي الدين غنيم   …..

ما أقسى هذه الحياة، وما أغرب مفارقاتها !
عندما يموت الإنسان، يتسابق الجميع لحمل نعشه، ويتسابقون في تقديم واجب العزاء، ويتسابقون في الحديث عن أخلاقه وطيبته ومواقفه، حتى ليخيّل إليك أن الراحل كان أغلى الناس على قلوبهم جميعاً  .. لكن أين كان هؤلاء وهو حي؟
أين كانت كلمات الحب التي يسمعها اليوم بعد موته؟
أين كان السؤال عنه؟
أين كانت الزيارة؟
أين كانت كلمة: أنت غالٍ علينا؟
أين كانت تلك المواقف التي يتحدثون عنها الآن وكأنهم كانوا أقرب الناس إليه؟
يا لها من مفارقة موجعة!
نحن في كثير من الأحيان لا نعرف قيمة الإنسان إلا بعد أن يصبح صورة معلقة على الجدار، أو اسماً محفوراً على شاهد قبر، أو ذكريات نتحدث عنها في مجالس العزاء.
في حياته، قد يمر الإنسان بيننا مثقلاً بالحزن، يبحث عن يد تمتد إليه، وعن قلب يسمعه، وعن كلمة طيبة تعيد إليه شيئاً من روحه، فلا يجد إلا التجاهل والانشغال والبرود.
ثم يأتي الموت…
فجأة يصبح الراحل عظيماً في عيون الجميع!
يتحول الصامتون إلى خطباء، والبعيدون إلى أقرب المقربين، والذين لم يسألوا عنه شهوراً وربما سنوات يصبحون أكثر الناس حزناً عليه.
لماذا نؤجل محبتنا حتى يأتي الموت؟
ولماذا نبخل بالكلمة الجميلة على الأحياء ثم نوزعها بسخاء على قبور الأموات؟
أي نفاق هذا الذي جعلنا نخجل من قول “أحبك” لمن نحب، ثم نبكي عليه عندما لا يعود قادراً على سماعها؟
أي قسوة هذه التي تجعلنا ننتظر جنازة الإنسان حتى نعترف بقيمته؟
الموت لا يحتاج إلى مدحنا، فالذي رحل لم يعد ينتظر كلماتنا.
قولوا للإنسان الجميل إنه جميل وهو حي.
اشكروا من وقف إلى جانبكم وهو حي.
سامحوا من أخطأ إليكم وهو حي.
احتضنوا من تحبون قبل أن يصبح احتضانه مستحيلاً.
فالقبر لا يسمع المديح، والنعش لا يشعر بالوفاء، والميت لا يستطيع أن يفرح بكلمات تأخرت كثيراً.
يا أبناء الحياة…
لا تجعلوا محبتكم مؤجلة إلى موعد الجنازة، ولا تجعلوا اعترافكم بفضل الناس مرتبطاً برحيلهم.
فكم من إنسان مات وفي قلبه سؤال مؤلم:
“لماذا لم يقولوا لي وأنا حي ما يقولونه عني الآن وأنا ميت؟”
ربما تكون أكبر مأساة في حياتنا أننا نعرف كيف نبكي على من فقدنا، لكننا لا نعرف كيف نُسعد من لا يزال بيننا.
فلنرحم الأحياء قبل أن يصبحوا أمواتاً.
ولنقل لمن نحبهم اليوم، لا غداً:
شكراً لأنك في حياتي…
أحبك…
أقدّرك…
وجودك يعني لي الكثير.
فغداً قد يأتي النعش، وقد تتسابق الأيدي لحمله، وقد تمتلئ المجالس بالكلمات…
لكن صاحبها لن يكون هناك ليسمعها.
يا لهذه الحياة… نمنح الموتى الكلام الذي كانوا يتمنون سماعه، ونحرم الأحياء منه!
وتلك، ربما، ليست مفارقة الحياة فقط…
بل واحدة من أكثر وجوه النفاق الإنساني وجعاً.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا