قراءة في مقال : الضفة الغربية.. نحو استراتيجية أردنية لاستباق المخاطر
* د. طلال عودة …..
باحث متخصص في استراتيجية الأمن القومي والجيوبوليتك في الشرق الأوسط
نشرت صحيفة الرأي هذا المقال الهام، لمعالي السيد حسين هزاع المجالي ، بتاريخ 22.8.2026، ونشره على صفحته في الفيسبوك ، واتضح اهتمام الرأي العام بالمقال من خلال كثافة حجم المتابعة وفحوى التعليقات عليه . أشار المقال إلى تزايد التهديدات التي قد تواجهها الأردن في ضوء تطورات وتحولات البيئة الاستراتيجية المحيطة . واعتبر أن المجريات والتطورات في الضفة الغربية تشكل أحد أهم هذه التهديدات منطلقا من أن: ” التطورات المتسارعة في الضفة الغربية تفرض نفسها باعتبارها أحد أخطر الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن الوطني الأردني والمصالح الحيوية للدولة …” . كما اقترح المقال مواجهة ومعالجة هذه التهديدات المتزايدة بتأن دون انفعال من خلال ” مقاربة سياسية هادئة ومتوازنة، تجمع بين ضرورات حماية الأمن الوطني الأردني والحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية تجاه القضية الفلسطينية”. لقراءة المقال كاملا: https://2u.pw/7uBqdw
وما قراءتي في مقال السيد المجالي إلا تأكيدا للمخاوف الاستراتيجية التي أثارها . إذ يكتسب المقال أهمية كبيرة في توقيته ، نظرا للتطورات والتحولات في المشهد الإقليمي في ضوء حرب الإبادة الجماعية التي شهدها العالم في قطاع غزة ، وما تشهده الضفة الغربية من تغول استيطاني وإجراءات عسكرية تعسفية وتنكيل المستوطنين بالسكان والاعتداءات على ممتلكاتهم. هذا، إضافة لتطورات وتداعيات الحرب بين إسرائيل / الولايات المتحدة وإيران وحلفائها في المنطقة. كما يكتسب المقال عمقه وجديته نظرا لشخصية كاتب المقال ، شخصية تجمع بين السياسي والعسكري، تقلد مناصب سياسية ودبلوماسية وأمنية ، شغل منصب وزير الداخلية ومدير الأمن العام ، سفيرا سابقا في البحرين ، وحاليا عضوا في مجلس الأعيان الأردني .
قدم المقال تشخيصا وقراءة استباقية بإدراك سياسي عميق، وأثار الكثير من الدلالات والتخوفات والتوصيات ذات المغزى الاستراتيجي. ولم يأت طرح موضوع المقال من فراغ ، لا بل جاء من ضمن سياقات ومعطيات وتحليلات قدمها المهتمون والمعنيون في دوائر الدولة الأردنية . ومن بديهيات السياسة والأمن في أي دولة، أن ترصد وتحلل الظروف السائدة في دول الجوار والمحيط . إذ تتأثر الدولة بما يجري في محيطها، حسب نظرية (تحليل النظم السياسية ) لديفيد إيستون. مما يفرض على الدولة اتباع سياسات وإجراءات ومقاربات سياسية ودبلوماسية وقانونية تحفظ مصالحها العليا، وهذا هو جوهر مقال السيد المجالي .
تم التركيز في تشخيص واستقراء التهديدات التي قد يواجهها الأردن على الضفة الغربية ، والتي تعني الكثير للأردن جغرافيا وسياسيا وديمغرافيا وأمنيا، مشيرا لتخوفات ولتوجسات الأردن من ” التطورات المتسارعة في الضفة الغربية “. نعم، تتجلى أهم هذه التطورات المتسارعة في السياسة التخطيطية التي تستهدف الأرض والإنسان من خلال تنامي وتوسيع المشروع الاستيطاني. وما مشروع الضم للضفة الغربية ونقل الصلاحيات في هذه الأراضي من الجيش للشرطة الاسرائيلية، إلا خطوة تجسد المنظور الاستعماري الاستيطاني باعتبار أراضي الضفة الغربية أراض مضافة ” للأرض الأم ” في أراضي أل 48. ناهيك عن الإجراءات العسكرية بحق السكان الفلسطينيين واعتداءات المستوطنين التي طالت البشر والشجر والحجر والتي تهدف لتقويض الكينونة الفلسطينية وجوديا وسياسيا.
تشكل السياسة التخطيطية الإسرائيلية وتطبيقاتها على الأرض والسكان الفلسطينيين ، مصفوفات تحكم وسيطرة matrix of control “، تتمثل في مصادرة الأراضي وشق الطرق الطولية والعرضية والبنية التحتية اللازمة لمزيد من البناء والتوسع الاستيطاني والتخطيط الحضري . تهدف هذه السياسة إلى تهويد الحيز الجغرافي وقلب الميزان الديمغرافي لصالح المستوطنين ، مما يضيق الخناق على أي محاولة توسع عمراني أو تنموي فلسطيني. ويأتي تنكيل المستوطنين بأهالي القرى الفلسطينية والاعتداءات على ممتلكاتهم في هذا السياق ، بغطاء رسمي سياسي وعسكري.
تنطلق السياسة التخطيطية الإسرائيلية في الضفة الغربية بدوافع أيديولوجية وتاريخية ، ورؤية استراتيجية استعمارية استيطانية قوامها ” يهود أكثر وعرب أقل “، صراع سياسي ديمغرافي مرتبط بالهوية السكانية ، وتحقيق أغلبية يهودية مطلقة ما بين النهر والبحر. والإشارة ” للتطورات المتسارعة في الضفة الغربية” وما يتضمنه ذلك من تهجير قسري وتجسيد لفكرة الوطن البديل، هي ناقوس خطر داهم يشكل تهديدا أمنيا واستراتيجيا للدولة الأردنية، باعتبار الأراضي الفلسطينية جزءا من الأمن القومي الأردني. وهذا ما يوجب سبل مواجهته بواقعية وعقلانية سياسية ودبلوماسية فاعلة وتأطير قانوني دولي.
استنادا لما تقدم، وإزاء جميع التطورات والتحولات الماثلة والمحتملة في المشهدين العالمي والإقليمي، هناك مسؤولية حضارية وإنسانية وقومية تفرض نفسها على الدول العربية، لتنسيق ولتضافر الجهود للتحرك الفاعل والمشترك لمواجهة المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة منطلقة من حسم الصراع جغرافيا وديمغرافيا في الأراضي الفلسطينية . صحيح أن التطورات المتسارعة في الضفة الغربية تشكل تهديدا استراتيجيا مباشرا للأردن، لكن الآثار الارتدادية لأي خطوة إسرائيلية غير محسوبة ستصيب المحيط العربي بشكل أو بآخر، والمنظور الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية على وجه الخصوص،هو أنموذج المنظور نفسه تجاه المنطقة برمتها. ولا تقع مسؤولية مواجهة السيناريوهات المحتملة على الأردن فقط، لا بل هي مسؤوليات عربية جامعة ، مما يفرض الحاجة الملحة لرفع مستوى النقاش والالتزام العربي بالقضية الفلسطينية. وهذا، يتطلب كما أشار المقال، رفع مستوى ووتيرة التنسيق مع الدولة الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية، وتبادل الرؤى لصياغة رؤية استراتيجية عربية متماسكة وملزمة في مواجهة التهديدات الكامنة و/أو المحتملة.
* د. طلال عودة، باحث متخصص في استراتيجية الأمن القومي والجيوبوليتك في الشرق الأوسط.
الكاتب من فلسطين