أعوذ بالله من الكِبر والتكبّر. والفتنة أشدّ من القتل
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي …………….
أعوذ بالله من الكِبر حين يسكن القلب، ومن التكبّر حين يعمي البصيرة، ومن العناد حين يجعل صاحبه يرى الحقيقة واضحة أمام عينيه، ثم يغمض عينيه عنها كأنها لم تكن.
وما أعجب الإنسان حين يعلم ثم يجحد، ويفهم ثم يعاند، ويرى الطريق أمامه واضحًا ثم يختار أن يمشي في الظلام!
لقد عرف التاريخ رجالًا سمعوا الحق فعرفوه، ولكنهم لم يتبعوه؛ لأن بين الحق وبين نفوسهم جدارًا من الكِبر والمصلحة وحب الجاه والمكانة.
ومن هؤلاء رجل من كبار قريش، كان له من المال والجاه والأبناء ما جعله يرى نفسه فوق كثير من الناس؛ إنه الوليد بن المغيرة.
وقد سمع القرآن، فهزّ شيئًا في نفسه، وأدرك أنه ليس شعرًا ولا كهانة ولا كلامًا مألوفًا، ولكنه حين عاد إلى قومه لم يسمح للحقيقة أن تنتصر في قلبه، لأن الكِبر كان أقوى من صوت الفطرة.
جلس يفكر ويقدّر، يبحث لا عن الحقيقة، وإنما عن كلمة يستطيع بها أن يصرف الناس عن القرآن ويفتنهم بالمجتمع .
فقالوا له: قل إنه شاعر.فقال: ليس بشاعر.
قالوا: قل إنه كاهن.فقال: ليس بكاهن.
قالوا: قل إنه مجنون.فقال: ليس بمجنون.
ثم أخذ يفكر ويقدّر، حتى قال:
﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾
فجاء القرآن يصور تلك اللحظة تصويرًا عجيبًا:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾.
وكأن القرآن يقول لنا: ليست المشكلة دائمًا في أن الإنسان لا يعرف، وإنما قد تكون المشكلة في أنه يعرف ولا يريد أن يعترف ليفتن الناس ويفسد عقولهم .
وما أشبه الأمس باليوم!
فما أكثر الذين يستطيعون أن يروا الحقيقة، ولكنهم لا يريدون رؤيتها، وما أكثر الذين يعرفون موضع الداء، ولكنهم يرفضون الدواء، وما أكثر الذين يحملون في ألسنتهم كلمات الإصلاح، وفي قلوبهم نار الخصومة.
أيها الأردنيون…
إن وطننا ليس معصومًا من الخطأ، ولا نحن معصومون من الخطايا.
في مجتمعنا أمراض اجتماعية واقتصادية وأخلاقية، وفي مؤسساتنا أخطاء وتقصير، وفي حياتنا العامة أمور تحتاج إلى إصلاح وتصحيح.
وهذا أمر طبيعي في حياة البشر.
لكن السؤال ليس: هل لدينا أخطاء؟
فالإجابة يعرفها الجميع.
السؤال الحقيقي هو:كيف نعالج أخطاءنا؟
فالطبيب لا يدخل إلى غرفة المريض وفي يده سكين ليبدأ بالبتر، ولا يحرق الجسد لأنه وجد فيه مرضًا، وإنما يبدأ بالتشخيص، ثم بالنصيحة، ثم بالعلاج، ثم بالمتابعة.
وكذلك الأوطان.
إن الوطن المريض لا يحتاج إلى من يكرهه لأنه مريض، بل يحتاج إلى من يحبه أكثر، ويقف بجانب جراحه حتى يشفى.
لذلك، طالبوا بالإصلاح، وحاربوا الفساد، وانتقدوا المسؤول، واكشفوا الخطأ، ولكن افعلوا ذلك وأنتم تحملون في قلوبكم حب الأردن، لا الرغبة في الانتقام منه.
لا تجعلوا أخطاء بعض الأشخاص سببًا في كراهية الوطن.
ولا تجعلوا خلافكم مع مسؤول خلافًا مع الدولة.
ولا تجعلوا غضبكم من مؤسسة سببًا لهدم الثقة بكل مؤسسات الوطن.
فالفرق كبير بين يدٍ تضع إصبعها على الجرح لتقول: هنا الألم، عالجوه، ويدٍ أخرى تضغط على الجرح لتزيد الدم نزفًا.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للوطن أن يأتيه من يستغل جراحه، فيحوّل الألم إلى كراهية، والشك إلى يقين، والخلاف إلى خصومة، والخصومة إلى فتنة.
هؤلاء هم الذين يجب أن نحذر منهم.
لا لأنهم ينتقدون، فالنقد حق.
ولا لأنهم يطالبون بالإصلاح، فالإصلاح واجب.
ولكن لأن بعض الناس قد يجعلون من جراح الوطن بابًا للدخول إليه، ثم يحولون الجراح إلى سلاح في وجه الوطن نفسه.
وهنا تصبح المسؤولية مسؤولية الجميع.
مسؤولية الدولة أن تسمع مواطنيها، وأن تعالج الأخطاء، وأن تحارب الفساد، وأن تكون شفافة وعادلة.
ومسؤولية المواطن أن يحافظ على وطنه، وأن يفرق بين النقد والإساءة، وبين الإصلاح والهدم، وبين المطالبة بالحق وصناعة الفتنة.
فلا تجعلوا الأردن ضحية أخطاء أبنائه.
ولا تجعلوا اختلافنا سببًا لانقسامنا.
ولا تجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي محكمةً بلا قاضٍ، ولا ساحةً بلا قانون، ولا منبرًا لمن يريد أن يسكب الزيت على النار.
إن الأردن أكبر من حكومة، وأكبر من وزير، وأكبر من نائب، وأكبر من مسؤول أخطأ أو أصاب.
الأردن وطن.
والوطن لا يُعاقَب بسبب أخطاء بعض أبنائه.
الوطن يُصلح، ويُحمى، ويُبنى.
ومن كان يحب الأردن حقًا، فليكن صادقًا في نقده، أمينًا في نصحه، حريصًا على وحدته، لا يبيع غضبه لمن يريد أن يستعمله وقودًا لفتنة لا يعرف أحد أين تنتهي.
يا أبناء الأردن…
اتقوا الله في هذا الوطن.
فقد اختلفنا كثيرًا، وعاتبنا كثيرًا، وغضبنا كثيرًا، ولكن لا تجعلوا الغضب أعمى، ولا تجعلوا الخصومة أكبر من الوطن.
قولوا للمخطئ: أخطأت.
وقولوا للمقصر: قصّرت.
وقولوا للفاسد: فسادك مرفوض.
ولكن قولوا في الوقت نفسه:
الأردن لنا جميعًا، وإصلاحه مسؤوليتنا جميعًا، وحمايته واجب علينا جميعًا.
فليس من الوطنية أن نسكت عن الخطأ، كما أنه ليس من الوطنية أن نحول الخطأ إلى كراهية للوطن.
والوطن، أيها الأحبة، كالأم…
قد نختلف معها، وقد نعاتبها، وقد نغضب منها، ولكننا لا نسمح لغريب أن يؤذيها.
فاحذروا من الذين يجعلون من ألمكم طريقًا إلى عقولكم، ومن غضبكم سلمًا إلى قلوبكم، ومن خلافاتكم نارًا تحرق بيتكم.
واذكروا دائمًا أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس عدوًا يقف على حدودها فقط، وإنما فكرةٌ تدخل إلى العقول فتجعل أبناء الوطن يكرهون وطنهم، ويشكّون في بعضهم، ولا يثقون بأحد.
فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة، أصبح العدو لا يحتاج إلى أن يهدم الجدار…
يكفيه أن يقنع أهل البيت بأن بعضهم أعداء لبعض.
فيا رب احفظ الأردن من الفتنة، واحفظ شعبه من الكراهية، واحفظ عقول أبنائه من التضليل، واجعلنا ممن يرون الخطأ فيصححونه، ويرون الجرح فيداوونه، ويرون الوطن فيحمونه.
الكاتب من الأردن