أعيدوا للتوجيهي هيبته

​بقلم: سامي العتيلات  ……

​ليس “التوجيهي” في الوجدان الأردني مجرد مرحلة دراسية تُطوى بساعات امتحان، بل هو طقس وطني جامع وعقد اجتماعيّ امتد لعقود، شكّل فيه التعليم سلم الارتقاء الطبقي ومصدر الفخر الأول للعائلة الأردنية، من أقصى البادية إلى أقاصي المدن والمخيمات.
​غير أن المشهد اليوم تشوبه حالة من الإرباك والشتات؛ فقد انزلق هذا الاستحقاق الوطني في آتون التجريب المتواصل ومتاهات “الحقول” و”النظم المستحدثة” التي أثقلت كاهل الطالب وأرهقت ولي الأمر. إن الشارع الأردني – بشغفه المعهود بالتعليم وعنفوانه الصادق – لا يرفض التطوير، بل يرفض الإرباك، ولا يخشى صعوبة الامتحانات، بل يخشى غياب البيئة المريحة وضبابية الرؤية التعليمية التي تحول الامتحان من أداة تقييم عادلة إلى ظرف ضاغط يُفقد الطالب اتزانه.
​إن الصوت القادم من الميدان، ومن ألوف التربويين والمتقاعدين الذين أمضوا أعمارهم في غرف الصفوف ومديريات التربية، ليس مجرد “تذمّر”، بل هو تنهيدة حرقة ونداء ناصح يمتلك الخبرة والغيرة على سمعة التوجيهي الأردني الذي كان يوماً أيقونة عربية يُشار إليها بالبنان.
​ولكي يستعيد التعليم ألقه والهيبة التي ينادي بها الجميع، برزت عدة مطالب وركائز يُجمع عليها الميدان التربوي والمجتمع منها ​العودة إلى البساطة والأصالة عن طريق إعادة هيكلة النظام ليعود كما كان واضحاً (علمي وأدبي) بعيداً عن التشعبات والحقول التي شتتت الطلاب وزادت اعتمادهم على المراكز والدروس الخصوصية، على حساب الدور الأساسي للمعلم والمدرسة.
ثم ​الاستماع إلى أهل الخبرة والميدان أي إشراك الكوادر التربوية الميدانية والمتقاعدين ممن خاضوا التجربة عمليةً وواقعاً، واستشارتهم في صياغة المناهج وتصميم الامتحانات، بدلاً من الارتهان لرؤى نظرية معزولة عن الواقع الأردني.
ومن الضروري ​إعادة الاعتبار للمعلم والبيئة المدرسية فلا هيبة للتوجيهي دون معلم يمتلك الهيبة والتقدير داخل حصته، ودون مدارس استعادت انضباطها، ونظام يُعيد للرسوب والنجاح قيمته الحقيقية لتأسيس الطلاب منذ المراحل الأولى.
أصف إلى هذا وذاك يجب ​إعادة الاتزان والعدالة للامتحانات بحيث تكون الأسئلة قياساً حقيقياً للفهم والدراسة المنهجية، متدرجة وموزونة، بلا تعجيز أو تضارب، مع ضبط قاعات الامتحان وتوفير الأجواء النفسية الملائمة للطلبة.
​إن المناصب وتغيير السياسات تزول وتتبدل، ولكن الأثر الطيب والقرار الجريء الذي يحمي مستقبل أبنائنا هو ما يبقى في ذاكرة الوطن.
إعادة الهيبة للتوجيهي ليست مجرد مطلب شعبوي، بل هي ضرورة وطنية لإعادة الثقة بالتعليم الأردني، وليبقى دائماً منار العلم والتميز.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا