استباحة الهوية: حين يصبح الإنسان عاريا أمام القانون .. . عندما تغيب الوثيقة، هل يغيب الإنسان؟ .. وعن الهوية بوصفها شرطا للاعتراف والحماية، لا مجرد ورقة
د. منى النحلاوي …..
ماذا يبقى من الإنسان حين لا يستطيع القانون أن يراه؟
قد يبقى الإنسان حياً، يحمل اسماً ووجهاً وحكايات، ولكن ماذا يحدث عندما لا يملك وثيقة تثبت من هو؟ هل تصبح حياته أقل قيمة؟ وهل يمكن أن يعيش الإنسان في العالم، لكنه يبقى غير مرئي أمام القانون؟
هنا لا تعود الهوية مجرد ورقة، لكن تصبح مسألة كرامة ووجود.
تنص المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل إنسان، أينما كان، الحق في أن يُعترف به كشخص أمام القانون. وهذا الاعتراف ليس مجرد إجراء إداري، بل هو أساس يساعد الإنسان على الوصول إلى حقوقه وحمايته من الإقصاء والاستغلال.
ومن هنا يمكن استحضار مفهوم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين عن “الحياة العارية”، الذي يشير إلى الحالة التي يُدفع فيها الإنسان إلى موقع يصبح فيه وجوده البيولوجي قائما، بينما تتراجع حمايته ومكانته السياسية والقانونية.
وتظهر هشاشة الهوية القانونية بوضوح في حياة الكثير من اللاجئين والمهاجرين الذين فقدوا وثائقهم أو يعيشون في أوضاع قانونية هشة بل ومعدومة. ان المشكلة ليست في فقدان ورقة فقط، لكن في ما قد يترتب على ذلك من صعوبة في إثبات الهوية والوصول إلى بعض الحقوق والخدمات.
ولكن المأساة الاكبر تصبح أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالطفل.
فالطفل الذي لا يملك إثباتا قانونيا للهوية قد يواجه عوائق إضافية في الوصول إلى التعليم أو الرعاية الصحية أو غيرها من الخدمات الأساسية. والأهم أنه قد يكبر وهو يشعر بأن وجوده غير مرئي وغيرمعترف به بالكامل.
ووفق أحدث بيانات اليونيسف المتاحة، لا يزال نحو 150 مليون طفل دون الخامسة، أي قرابة طفلين من كل عشرة، غير مسجلين عند الولادة. وتؤكد اليونيسف أن تسجيل الميلاد يمثل أساسا للهوية القانونية، ويساعد على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والحماية من الاستغلال والانتهاكات القمعية.
وفي عالم اللجوء تبدو مشكلة التعليم أكثر وضوحا وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يبلغ عدد الأطفال اللاجئين في سن الدراسة نحو 12.4 مليون طفل، ولا يزال 46% منهم خارج المدرسة، أي نحو 5.7 مليون طفل، وبالطبع لا يعود ذلك إلى غياب الوثائق وحدها، لكن تتداخل معه عوامل أخرى، منها الفقر والنزوح والوضع القانوني واللغة والعوائق المالية.
وهنا تلتقي المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع اتفاقية حقوق الطفل؛ فالمادة السابعة تؤكد حق الطفل في التسجيل فور ولادته، وفي الاسم والجنسية، بينما تؤكد المادة الثامنة حقه في الحفاظ على هويته.
ما يبدو في البداية مجرد “وثيقة” قد يكون في الحقيقة بوابة إلى التعليم والحماية والخدمات، وإلى شعور الطفل بأن له مكانًا معترفًا به في هذا العالم.
فالهوية ليست ورقة تثبت أن الإنسان موجود إنها اعتراف بأن لهذا الوجود قيمة وحقوقا وحماية.
وحين يُحرم الإنسان من هذا الاعتراف، لا يصبح أقل إنسانية، لكنه يصبح أكثر عرضة للاستغلال والإقصاء.
فاللاجئ لا يطلب امتيازًا، والطفل لا يطلب شفقة.
إنهما يطلبان فقط أن يُعترف بهما: إنسانين أمام القانون.
وربما هنا تبدأ العدالة الإنسانية؛ حين لا نكتفي بأن نرى الإنسان حياً، بل نصرّ على أن يكون مرئياً، معترفاً به، ومحمياً بحقوقه.
من: سلسلة العدالة الإنسانية والوعي الناقد
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية