فادي السمردلي يكتب: من القبة إلى المواطن | ما لا يراه المواطن تحت القبة

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

ما يراه المواطن تحت القبة هو الجزء الأكثر وضوحاً من العمل النيابي جلسة، مداخلات، نقاشات، تصويت، ثم نتيجة تُعلن أمام الجميع ولكن ما لا يراه غالباً هو الجزء الذي يسبق كل ذلك اجتماعات ونقاشات ومراجعات قد تحدد شكل القانون قبل أن يصل إلى لحظة التصويت فالمشهد الذي يصل إلى الشاشات ليس كل القصة، وربما ليس أهمها دائماً.

القانون لا يدخل قاعة المجلس جاهزاً ليُقر خلال دقائق. وراء كل تشريع رحلة تبدأ بمشروع قانون، ثم تنتقل إلى المؤسسة النيابية، وتُبحث في اللجان المختصة، وتخضع للنقاش والمراجعة والتعديل، قبل أن تصل إلى الجلسة العامة وفي كل مرحلة هناك فرصة لتغيير مادة، أو تصحيح صياغة، أو كشف أثر لم يكن واضحاً عند إعداد المشروع.

وهنا تبدأ أهمية اللجان النيابية، وهي واحدة من أكثر مراحل العمل البرلماني ابتعاداً عن اهتمام الجمهور فداخل اللجان تُناقش مشاريع القوانين بتفاصيلها، وتُطرح الأسئلة، ويُستمع إلى أصحاب الاختصاص والجهات المعنية، وتُبحث التعديلات المقترحة وقد يكون النقاش حول كلمة واحدة كفيلاً بتغيير أثر مادة كاملة عندما تدخل حيز التنفيذ.

لهذا فإن قوة النائب لا تظهر فقط عندما يقف خلف الميكروفون ويتحدث أمام الكاميرات تظهر أيضاً عندما يقرأ نصاً قانونياً بعين المشرّع، ويسأل ماذا يعني هذا النص؟ من سيتأثر به؟ هل يمكن تطبيقه؟ هل يتعارض مع تشريع قائم؟ وهل يعالج المشكلة التي جاء من أجلها؟ هذه الأسئلة قد لا تصنع خبراً يومياً، لكنها قد تصنع قانوناً أفضل.

والكلمة في القانون ليست كالكلمة في الحديث العادي فمادة واحدة قد تمنح حقاً أو تقيده، واستثناء واحد قد يوسع نطاق القانون أو يضيقه، وشرط واحد قد يسهل إجراءً أو يزيد تعقيده لذلك فإن النقاش الذي يجري بعيداً عن الأضواء ليس تفصيلاً هامشياً بل قد يكون هو المكان الذي يتحدد فيه أثر القانون على المواطن والاقتصاد والمؤسسات.

ومن هنا، لا ينبغي أن يُقاس أداء النائب بعدد مداخلاته في الجلسات العامة فقط فهناك عمل آخر يحدث بعيداً عن الكاميرات حضور اجتماعات اللجان، قراءة مشاريع القوانين، تقديم المقترحات، مناقشة المواد، الاستماع إلى الخبراء، ومتابعة ما يجري بين اجتماع وآخر وقد يكون النائب الأقل ظهوراً إعلامياً أكثر تأثيراً في صياغة تشريع من نائب يتصدر المشهد باستمرار.

لكن العمل بعيداً عن الأضواء لا يعني أنه يجب أن يكون بعيداً عن المساءلة فالمواطن من حقه أن يعرف كيف نوقش القانون، وما التعديلات التي أُدخلت عليه، وما الملاحظات التي طرحت، ولماذا قبلت اللجنة تعديلاً ورفضت آخر. فالشفافية لا تبدأ بعد إقرار القانون بل تبدأ منذ اللحظة التي يبدأ فيها تشكيله، لأن معرفة الطريق تساعد المواطن على فهم النتيجة.

كما أن اللجان ليست مجرد محطة إجرائية قبل التصويت، بل مساحة يفترض أن تتحول فيها الأفكار العامة إلى نصوص قابلة للتطبيق وهنا تظهر مسؤولية النائب بصورة أكبر فالمطلوب ليس موقفاً سياسياً فقط، وإنما قدرة على قراءة التفاصيل وفهم آثارها. القانون الجيد لا يصنعه ارتفاع الصوت، بل تصنعه المعرفة والدراسة والدقة والقدرة على رؤية ما وراء النص.

ولهذا فإن تقييم عمل اللجان يحتاج إلى أكثر من بيانات مختصرة عن عدد الاجتماعات والسؤال الأهم هو ماذا أنجزت هذه الاجتماعات؟ ماذا تغير في مشروع القانون؟ ما التعديلات التي أدخلت؟ وما المبررات التي قادت إليها؟ وهل عالجت الملاحظات المطروحة أم بقيت كما هي؟ هنا تتحول الرقابة من متابعة النشاط إلى قياس النتائج، وهو المعيار الذي يهم المواطن في النهاية.

والمواطن الذي يرى التصويت النهائي يجب أن يعرف أن النتيجة التي يشاهدها هي حصيلة مراحل سبقتها فالقانون الذي يصل إلى الجلسة العامة يحمل معه نقاشات وتعديلات ومواقف تشكلت خلال الطريق ولذلك فإن فهم ما يحدث قبل التصويت يساعد على فهم التصويت نفسه، ويجعل المواطن قادراً على تقييم أداء النائب على أساس ما فعله فعلاً، لا على أساس ما ظهر منه أمام الكاميرا.

وفي «من القبة إلى المواطن»، لن ننظر إلى مجلس النواب من مقاعد المتفرجين فقط سنحاول الاقتراب من المكان الذي يبدأ فيه القانون بالتشكل، ونتابع الطريق الذي يقطعه قبل أن يصبح نصاً ملزماً. لأن المسافة بين مشروع القانون والقانون النهائي ليست مجرد إجراءات إنها مساحة يفترض أن تمارس فيها السياسة والتشريع والخبرة والرقابة بأعلى درجات المسؤولية.

في النهاية، الجلسة العامة هي الجزء الذي يراه المواطن، لكن العمل البرلماني لا يبدأ عندما تفتح الميكروفونات ولا ينتهي عندما تُرفع الأيدي للتصويت فهناك عمل طويل يحدث قبل تلك اللحظة، وفيه تتحدد تفاصيل قد تصل آثارها لاحقاً إلى كل بيت ومؤسسة وسوق لذلك فإن ما لا يراه المواطن تحت القبة قد يكون في أحيان كثيرة هو ما يحدد ما سيراه بعدها.

لأن المشهد الذي يصل إلى المواطن قد يبدأ تحت القبة، لكن القصة الحقيقية تبدأ قبل التصويت، والاختبار الحقيقي يبدأ بعده.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا