فادي السمردلي يكتب: من القبة إلى المواطن | التفويض ليس شيكاً على بياض

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

الفوز بالانتخابات ليس نهاية الحكاية فيوم يضع المواطن صوته في الصندوق، يمنح النائب تفويضاً لا حصانة، ومسؤولية لا امتيازاً، وثقة لا شيكاً على بياض ومن لحظة إعلان النتائج يبدأ الاختبار الحقيقي ماذا سيفعل النائب بهذه الثقة؟ وهل سيحوّلها إلى عمل ومواقف ونتائج، أم ستبقى مجرد رقم أو مقعد تحت القبة؟

النائب لم يُنتخب ليختفي خلف اسم المجلس، ولا ليصبح رقماً في قوائم الحضور، ولا ليظهر عند الحاجة إلى صورة أو تصريح فقد انتُخب ليستخدم صلاحياته، ويمارس دوره، ويتخذ مواقف واضحة، ويكون مستعداً لأن يشرح للناس لماذا فعل ما فعل فالمقعد النيابي ليس غاية بحد ذاته، بل مسؤولية سياسية أمام من منح النائب ثقته.

المساءلة ليست هجوماً على النائب، كما أن النقد ليس خصومة معه. في العمل العام، من يطلب ثقة الناس يجب أن يقبل أن تُراجع أعماله، وأن تُناقش مواقفه، وأن يُسأل عن قراراته وهذه ليست مشكلة في الديمقراطية هذه هي الديمقراطية أما النائب الذي يريد الثقة عند الانتخابات ويرفض الأسئلة بعدها، فهو يطلب علاقة من طرف واحد لا تستقيم مع معنى التمثيل.

المواطن لا يملك داخل القبة ميكروفوناً، لكنه يملك حقاً أهم حقه في المعرفة ومن حقه أن يعرف كيف يعمل نائبه، وماذا قدم، وكيف صوّت، وما الملفات التي تابعها، وما القوانين التي شارك في مناقشتها، وما الذي تغير نتيجة جهده فالمواطن لا يجب أن يعرف النائب فقط من خلال الصور والتصريحات، بل من خلال سجل واضح يمكن الرجوع إليه ومساءلته عنه.

ولا يكفي أن يقول النائب إنه يعمل من أجل الناس فالعمل العام لا يُقاس بالنوايا ولا بالشعارات، وإنما بما يمكن إثباته أين الموقف؟ أين الاقتراح؟ أين السؤال؟ أين المتابعة؟ وأين النتيجة؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تنتقل من المجالس والانتخابات إلى الحياة اليومية، لأن النائب الذي يملك عملاً حقيقياً يملك ما يجيب به، والنائب الذي لا يملك إلا الكلام سيجد نفسه أمام فراغ يصعب تغطيته.

قد لا يستطيع النائب تنفيذ مشروع، أو تعيين مواطن، أو إصدار قرار حكومي، وهذا مفهوم ولكنه يستطيع أن يمارس دوره التشريعي والرقابي، وأن يضع الملفات العامة تحت الضوء، وأن يسأل الحكومة، وأن يناقش القوانين، وأن يقترح تعديلات، وأن يتخذ موقفاً واضحاً عندما يرى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية للنائب، وهنا يمكن قياس أدائه بعيداً عن الوعود.

ولهذا يجب أن يتغير معيار الحكم على النائب فلا نسأل هل حل كل مشاكل الناس؟ فهذا ليس ضمن صلاحياته. نسأل هل استخدم صلاحياته كاملة للدفاع عن القضايا التي انتُخب من أجلها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فليقدم النائب دليله وإذا كانت الإجابة لا، فمن حق المواطن أن يسأل لماذا، وأن يعرف أين ذهب التفويض الذي منحه إياه يوم وضع صوته في الصندوق.

والمساءلة لا تبدأ قبل الانتخابات بأسابيع ولا تنتهي يوم إعلان النتائج فالانتخابات تمنح التفويض، لكن الأداء هو الذي يحدد قيمة هذا التفويض. وبين الصندوق والصندوق سنوات من العمل يفترض أن تكون قابلة للرصد والتقييم. النائب الذي يعرف أنه سيكون تحت نظر الناس سيحسب موقفه، ليس خوفاً من الناخب، وإنما احتراماً للثقة التي مُنحت له، لأن الثقة التي لا تُراجع تتحول بسهولة إلى غياب للمساءلة.

والمواطن أيضاً يحتاج إلى أن يغيّر طريقته في المتابعة فلا يكفي أن يحاسب النائب على الخدمات الفردية أو الوعود الشخصية، بل يجب أن يسأل عن التشريع والرقابة والمواقف والتصويت. هل كان النائب حاضراً عندما احتاج المجلس إلى حضوره؟ هل شارك في النقاش؟ هل قرأ القانون؟ هل اقترح تعديلاً؟ هل تابع القضية بعد إثارتها؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من عدد الصور التي ظهر فيها النائب أو عدد التصريحات التي نُشرت باسمه.

والنائب الذي يطلب من الناس أن يثقوا به يجب ألا يخشى من نشر سجله بل يفترض أن يكون أول من يضع أداءه أمام الناس ماذا وعد، ماذا فعل، ماذا لم يستطع أن يفعل، ولماذا فالاعتراف بما لم يتحقق ليس ضعفاً، والاعتذار عن التقصير ليس هزيمة الضعف الحقيقي أن يختفي الفشل خلف خطاب طويل، وأن تتحول المسؤولية إلى أعذار، وأن يصبح المواطن آخر من يعرف ماذا فعل ممثله.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة النيابة تمثيل، والتمثيل مسؤولية. لا أحد يطلب من النائب أن يرضي الجميع، ولا أن يوافق الناس على كل مواقفه بل إن النائب الذي يتخذ موقفاً لا يحظى بشعبية، لكنه يملك حجة واضحة ويدافع عنها بشجاعة، قد يكون أكثر احتراماً من نائب يغيّر موقفه مع اتجاه الريح فالمطلوب ليس نائباً شعبوياً، بل نائب يمكن مساءلته.

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً طوال الدورة النيابية هو ماذا فعل النائب بالثقة التي حصل عليها؟ ليس ماذا قال في حملته الانتخابية فقط، ولا كم مرة ظهر أمام الكاميرا، ولا كم بياناً أصدر، بل ماذا فعل تحت القبة، وماذا تابع خارجها، وكيف استخدم أدواته، وما المواقف التي اتخذها عندما أصبحت المواقف مكلفة. فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتهي الحملة وتبدأ المسؤولية.

فالمنصب النيابي ليس امتيازاً شخصياً، ولا ملكية خاصة، ولا تفويضاً مفتوحاً بلا حساب إنه أمانة سياسية مؤقتة يمنحها المواطن، ويحق له أن يراقبها ويقيّمها ويحكم عليها عندما يحين وقت الاختيار. ومن حق النائب أيضاً أن يشرح للناس خياراته وأن يقدم سجله كما هو، بلا تزيين ولا تهويل، لأن الحكم العادل يحتاج إلى معلومات لا إلى انطباعات.

وفي «من القبة إلى المواطن»، لن نضع النائب في خانة الاتهام مسبقاً، ولن نمنحه في المقابل شهادة نجاح مجانية سنضع الأداء أمام الوقائع، ونقرأ المواقف كما هي، ونقارن الكلام بالفعل، ونترك الحكم لمن يملك الحق الأول في الحكم المواطن لأن المساءلة لا تعني إسقاط النائب، بل تعني أن يعرف النائب أن ثقة الناس لها قيمة، وأن لها ثمناً سياسياً اسمه المسؤولية.

لأن الصوت الذي وضعه المواطن في صندوق الاقتراع لم يكن تنازلاً عن حقه في السؤال، بل كان بداية لهذا الحق. ومن يطلب أن يمثّل الناس عليه أن يتذكر دائماً أن المقعد له نهاية، وأن الدورة لها نهاية، وأن الذاكرة الشعبية أطول من أي خطاب انتخابي فالتفويض ليس شيكاً على بياض، والثقة لا تعني الإعفاء من الحساب.

التفويض مسؤولية.. ومن طلب ثقة الناس، عليه أن يكون مستعداً دائماً للإجابة أمامهم.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا