القيادة الفلسطينية بكل مكوناتها هي أساس الأزمة
عمران الخطيب …..
لم تعد الأزمة الفلسطينية مجرد نتيجة للاحتلال والانقسام والعدوان والحصار؛ فهناك أزمة داخلية فلسطينية عميقة تتحمل مسؤوليتها القيادة الفلسطينية بكل مكوناتها، من السلطة والفصائل الوطنية والإسلامية، التي فشلت على مدى سنوات طويلة في بناء نظام سياسي قادر على تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن مصالحه الوطنية.
المشكلة أن كل طرف فلسطيني يتعامل مع نفسه باعتباره صاحب الحق الحصري في تمثيل الشعب، أو صاحب الولاية والوصاية عليه، بينما تُهمَّش إرادة المواطن الفلسطيني، وتُعطَّل المؤسسات، وتتراجع المحاسبة، وتصبح الشرعية السياسية والتنظيمية مسألة يتم تجديدها داخل الأطر المغلقة بدل أن تُستمد من الشعب وصناديق الاقتراع.
لقد كان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، عقب نكسة حزيران عام 1967، نموذجًا لتحمل المسؤولية السياسية عن الهزيمة، عندما اعتبر نفسه مسؤولًا أمام شعبه عن نتائجها. أما في الحالة الفلسطينية، فقد أصبح الاعتراف بالخطأ والمساءلة والنقد الذاتي عملة نادرة.
فحركة حماس، على سبيل المثال، تعيد تجديد شرعيتها التنظيمية من خلال مؤتمراتها الداخلية، وهذا حق تنظيمي مشروع وفق نظامها الداخلي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين المراجعة السياسية الجادة لنتائج السابع من أكتوبر؟ وأين النقد الذاتي لمسار القرار الذي قاد إلى هذه النتائج؟ وأين تقييم حجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي تعرض لها قطاع غزة، وأثرها على الشعب الفلسطيني ومستقبله وقضيته الوطنية؟
لا يمكن لأي فصيل سياسي أن يطالب الشعب بالثقة، ثم يرفض في الوقت نفسه أن يخضع للمساءلة. ولا يمكن اعتبار النتائج الكارثية انتصارًا لمجرد أن الخطاب السياسي قرر تسميتها كذلك. الانتصار الحقيقي يُقاس بقدرة أي قيادة على حماية شعبها وتحقيق أهدافها الوطنية وتقليل الخسائر، وليس بالشعارات.
لكن النقد لا يجب أن يتوقف عند حركة حماس. فالتاريخ السياسي الفلسطيني بأكمله يحتاج إلى مراجعة شجاعة وصريحة. الثورة الفلسطينية المعاصرة مرت بمحطات عديدة، وحققت إنجازات وتعرضت لإخفاقات، لكنها لم تنجح في ترسيخ تقليد سياسي قائم على النقد الذاتي والمحاسبة المؤسسية، واستخلاص الدروس من الأخطاء بدل تجاوزها أو تبريرها.
أما السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، فقد وصلتا بدورهما إلى مرحلة لا يمكن فيها الاستمرار في إدارة النظام السياسي الفلسطيني بمنطق الأمر الواقع.
فالرئيس محمود عباس “أبو مازن” تولى رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية عقب انتخابه من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة، كما انتُخب رئيسًا للسلطة الفلسطينية من المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بنسبة بلغت 64%، في انتخابات لم تتكرر بعد ذلك.
ومنذ انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، وما أعقبها من انقسام وحل للمجلس لاحقًا، لم تُجرَ انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة تعيد تجديد الشرعيات السياسية. كما لم تُجرَ انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني بالشكل الذي يعكس إرادة الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: لا يمكن بناء نظام سياسي مستقر بشرعيات مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
الشرعية ليست لقبًا دائمًا، وليست ملكية شخصية أو تنظيمية تنتقل من جيل إلى آخر. الشرعية السياسية تُجدد بإرادة الشعب، والمساءلة لا تكون داخل الغرف المغلقة فقط، بل أمام المواطنين الذين يدفعون ثمن القرارات السياسية.
ولذلك، فإن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني يجب أن تبدأ من منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. والمطلوب ليس مجرد إعادة ترتيب المقاعد داخل مؤسسات المنظمة، وإنما إعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها على أساس التمثيل الحقيقي والشراكة الوطنية والديمقراطية.
وقد تكون الأولوية في هذه المرحلة لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يسمح بإعادة تشكيل المؤسسات الوطنية، وانتخاب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وفق آليات واضحة وشرعية وليس بتصفيق ورفع الأيدي، ثم الانتقال، عندما تسمح الظروف، إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
أما استمرار الانقسام، وتعطيل الانتخابات، واحتكار القرار، وتجديد الشرعيات داخل الأطر التنظيمية المغلقة، فلن يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة.
والأخطر من ذلك أن القضية الفلسطينية أصبحت، بفعل الانقسام وغياب المؤسسات الديمقراطية، معرضة لأن تتحول من قضية شعب للقضية إنسانية وأغاثة. وإلى ساحة صراع بين مراكز القوى والفصائل.
وهذا أمر لا يجوز أن يستمر.
المطلوب اليوم ليس مؤتمرًا جديدًا لتوزيع المواقع، ولا بيانًا سياسيًا جديدًا، ولا جولة أخرى من الحوار الذي ينتهي بتأجيل الخلافات إلى موعد لاحق.
المطلوب مراجعة وطنية شاملة، ونقد ذاتي صريح، ومحاسبة سياسية، وإعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني.
حوار وطني حقيقي يجب أن يضم جميع الفصائل والقوى السياسية والشخصيات الوطنية المستقلة، وأن يضع مصلحة الشعب الفلسطيني فوق مصالح التنظيمات، وأن يعيد الاعتبار للمواطن باعتباره مصدر الشرعية، لا مجرد ناخب يُستدعى عندما تحتاج القيادات إلى تجديد مواقعها.
وفي ظل الظروف الراهنة، خصوصًا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، قد يكون إجراء انتخابات تشريعية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة. لكن صعوبة الانتخابات لا تعني استمرار الجمود السياسي إلى ما لا نهاية.
إذا كانت الانتخابات غير ممكنة الآن، فيجب أن يبدأ العمل فورًا على تهيئة الظروف لإجرائها، وعلى تفعيل مؤسسات منظمة التحرير وإعادة بنائها وتوسيع قاعدة التمثيل فيها.
فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى قيادات تتنافس على من يملك حق الوصاية عليه، بل يحتاج إلى قيادة تتحمل المسؤولية أمامه.
ولا يحتاج إلى فصائل تعتبر النقد خيانة، أو المحاسبة مؤامرة، أو الاعتراف بالخطأ ضعفًا.
فالقضية الفلسطينية أكبر من الفصائل، وأكبر من السلطة، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من أي قيادة تدّعي امتلاك الحقيقة وحدها.
وإذا كانت القيادة الفلسطينية بكل مكوناتها غير قادرة على مراجعة أخطائها، وتجديد شرعيتها، واحترام إرادة الشعب، فإنها لا تكون جزءًا من الحل، بل تصبح جزءًا أساسيًا من الأزمة.
عمران الخطيب
الكاتب من الأردن