لقطاء من ذرية إعلام «إبن حرام» واليهود والمسيح والشيعة عرب ونص!

 

وأنا أشق طريقا فرعية، تمر عبر كنيسة حنونة، التقيته ينزه كلبه، الذي اعترض سيري نشدانا لمداعبة عابرة، سلم الرجل الإنكليزي، مسائلا بحذر عن جذوري.. أخبرته أنني من فلسطين، فأشرق وجهه القمري، ورفرفت نجوم زرقاء في عينيه السماويتين. ثم قال:
عدت قبل أسبوعين من فلسطين، صليت في كنيسة المسيح!
أخبرني أنه يعمل في منظمة خيرية لإغاثة ضحايا الحروب وأطفال المخيمات.. ولما سألته عن دوافعه أجاب:
«كي أشعر بالرضى، وربما كي أحترم حزني على هؤلاء.. فأحس أننا بشر مثلهم». ثم حدثني عن اللا عدالة، والتشوه الإعلامي، مستغرقا بحنيني إلى بلادي، وهو يصفها لي «حاكورة حاكورة» وقمرا قمرا، كأنه حبيبها، أنا المغتربة في بلاده، التي أحفظها «زنقة زنقة»، عن ظهر قلب، فما ذنبه وما ذنبي أن يفرق بيننا ما جمعنا: وعد مشؤوم، أسدد ثمنه من اغترابي القسري، ويكفر هو عنه بعمله التطوعي؟!

بين استجداء الشفقة وزلزلة الضمير

لا حصر لهم أولئك الأوروبيون، الذين يتعاطفون مع قضاياك، وعلى رأسهم «بيير لوكورف»، مؤسس مبادرة «نحن أطفال خارقون»، والذي استضافته زينب الصفار في برنامجها «من الداخل» على قناة «الميادين»، متحدثا عن تجربته التطوعية مع أطفال حلب، ورغم أن «الصفار» وقعت في شرك الفرز الجبهوي لحلب «الشرقية والغربية»، محاولة جر «لوكورف» إلى خانة الشاهد السياسي، في توظيف لا مهني لرسالته الإنسانية، إلا أنه لم يبارح ثكنة الملائكة، وهو يعبر عن ألمه لحالهم ويشاركهم فرحة أعياد الميلاد، متقمصا «بابا نويل» المحمل بالأحلام واللعب، مشحونا بانفعالات عاطفية مؤثرة وهو يروي لك حكاية الطفل محمود، الذي بترت ذراعاه وساقاه في هجوم إرهابي، لم يفقده الأمل بتربية أعضائه المفقودة لتكبر معه، في الوقت ذاته، الذي يطور فيه أدواته البديلة ويتأقلم مع الموت كرفيق لا بد منه، فهل كان الأداء الإعلامي لائقا بما يكفي؟ أم أنه اكتفى بالاستئثار بالضيف لاستغلاله كواجهة إعلامية؟
الأسئلة البريئة كانت شحيحة لا تلبي براءة هؤلاء الأطفال، ولم تلمس جراحهم خارج سياق المجاملات الإعلامية، حتى لتبدو صيغة استجدائية لإثارة الشفقة أكثر منها رسالة حاسمة تحاكي الضمير وتزلزله… وهو أسلوب تفشى حد الابتذال والقرف في الصحافة والإعلام بعد نكبة الانشطار الجبهوي بين الطغاة «الأنظمة»، وأبناء طغاتهم «الثَّوارِجَ» المخدوعين !

اغتصاب الملائكة

لن أظلم زينب، فمجرمو الحرب الإعلامية، ارتكبوا مجازر من الفبركات الملفقة لاستغلال أطفال الحروب، واغتصاب دهشاتهم، وصرخاتهم المنسية تحت الأنقاض، من أجل التقاط صورة للدعاية أو للتسلية السياسية.. لتغتال أحلامهم وتشوه عوالمهم بلا رحمة!
المشهد لا يحتاج إلى «البحلقة» بصورة الضحية من أجل التعاطف معها، إنما للإصغاء إلى ذهولها وتوبيخها الصامت لمن لا يقوون على رؤية وجهها، الذي كممته الحرب ببرقعها المتفحم، فأخفت يتمهم وتشريدهم خلفه وهو ما يؤكد قول آيزنهاور: «كل بندقية تصنعونها وكل سفينة حربية تدشنونها وكل صاروخ تطلقونه هو في الحسابات الأخيرة سرقة للقمة العيش من فم الجياع ومن أجساد الذين يرتجفون من شدة البرد ولا يجدون ما يكسي عظامه». ولكن أسمعت لو ناديت!

مالك مكتبي أولا…

على الجانب الآخر مشهد رديف للحرب وإن بدا أقل صخبا ودويا، ففي ليلة رأس السنة اصطحبنا مالك مكتبي في برنامجه «أحمر بالخط العريض» في رحلة بحث عن أم زينب، التي استغرقت منه عاما كاملا بين بيروت وسيريلانكا، وأما زينب فهي فتاة لبنانية عشرينية، لجأت إلى البرنامج للبحث عن أمها السيريلانكية، التي أنجبتها من أب لبناني حين كانت تعمل خادمة في لبنان، غير أنها تركت البلد وابنتها التي لم تكتشف أمرها سوى بعد أكثر من عشرين عاما من عمرها، وقد تواصل مكتبي مع شركات استقدام الخادمات في لبنان، رغم صعوبة التعاون وتحفظاته ومحاولات التملص منه، وصل مكتبي برفقة زينب وزوجها إلى الأم المفقودة بعد عناء ومشقة، فما الذي تتوقع أن تعرفه أيها المشاهد؟
الأم مقعدة، منهكة، الكيميائي تسبب في تساقط كل شعرها، ولم يتبق لها سوى أيام معدودة لتمضي بعيدا إلى الغيب، ولكن كيف استقبلت ابنتها؟ في البداية كان يصعب عليها الاعتراف، بابنة سرية، ولكنها استسلمت لأمومتها حين انهارت زينب وهي تسائلها: لماذا لم تجهضيني؟
مواجهة مرة، تليق بصاحب الجريمة، الذي كشفته جريمتة على الملأ بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما، فهل يكفيه عذابه وعذاب ضحاياه؟ أم أن المجرمين بلا ذاكرة ولا إحساس؟
كثيرة هي الانتهاكات التي تتجرد من كل قيم الإنسانية والأخلاق والضمير، لتعيش مع الخطيئة كرفاهية مجانية عند الحاجة لتلبية رغبات واطئة دون الاكتراث لأوجاع السماء وتأوهات الفرائس، فمن الذي يدفع الثمن في النهاية؟ وهل يكفي العقاب بعد هذا كله؟ هل نتوقع إجراءات قانونية وقضائية رادعة؟ أم سنغير المحطة بحثا عن زينب جديدة!

الإنسانية بين تطرفين

الخوف على مصر بعد تفجيرات الكنيسة البطرسية، وفيديو وائل الأبراشي، الذي يظهر إرهابيا ملتحيا ينحر مسيحيا وسط الجموع، ويفر بجلده، كحال إرهابي برلين وإسطنبول، فهل ستسأل عن الشجاعة؟ أم عن الإسلام؟
إياك أن تفعل، لأن الأمر لا يتعلق بالديانات، إنما بالغرائز الحيوانية المتوحشة التي تجرد هؤلاء من إنسانيتهم، وتصور التطور النفسي لغريزة القتل التي ما أن تصل أوجها «لحظة استعراضها» حتى تنكمش كليا في مشهد الفرار، وهو ما يكتشفه الإرهابي بقدميه اللتين توليان ذعرا، بعد أن تدركا الفارق بين الغدر والشجاعة.. وبين الجريمة والنضال!
غرائز الليبراليين الألكترونيين على مواقع التواصل الاجتماعي ليست أقل بهلوانية، طالما أن هناك أصواتا تطالب بإلغاء التهاني بالأعياد، لتوحد البشر بالإنسانية، معتبرة أن التخصيص عنصرية، بينما تتجلى الوحدة الإنسانية بقدرتها على استيعاب الاختلاف كأكبر التحديات وأشجعها، وهو ما يحرر البشرية من العنصرية وثقافة الإلغاء، وهنا عليك أن تتأمل جيدا أن التطرف لا دين له، وأن التبرؤ من الإرهاب لا يتطلب منك الدفاع عن الإسلام في كل مرة، بل عليك أن تدافع عن إنسانيتك من باب أولى.. كي لا تقع بين جهنمي المعري: عقل بلا دين أو دين بلا عقل!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط

قد يعجبك ايضا