سناء الحافي: إشكالية المقارنة والاقتداء بالموروث السردي
سناء الحافي
في القصة القصيرة
إن دراسة أي جنس أدبي مهما كان نوعه، يقتضي من الدارس تحديده، ذلك أن الآراء التي سيخرج بها ويحللها ويظهرها ينبغي أن ترتبط فقط بالجنس الأدبي الذي حدده منذ البدء، إذ أنه من المعروف أن لكل نوع أدبي خصائصه التي تميزه عن غيره من الأنواع الأدبية الأخرى، ولكن على الرغم من ذلك وجدنا أن عددا من الدارسين لم يعنوا بتلك المسألة بشكل جدي وقد مزجوا في دراستهم بين القصة القصيرة، وغيرها من الفنون الأخرى …
وكثيرا ما ينظر إلى القصة القصيرة باعتبارها جنسا أدبيا ملحقا بالرواية، وكانت هناك العديد من المقارنات الصريحة أو الضمنية غير المباشرة بين القصة القصيرة والرواية، وطبعا كان الإعلاء منصبا حول الرواية، ولعل هذا ما جعل بعض النقاد يتحدثون عما تعرضت له القصة القصيرة من إهمال مقارنة مع الرواية،لكن الغاية من إدراج مختلف المقارنات بين الشكلين الأدبيين هو الوصول إلى نتيجة محددة،اذ يعدّ فن القصة القصيرة نوع أدبي مستقل بذاته، وأن استخدامنا للرواية بوصفها وسط للمقارنة يؤدي بالإساءة إلى فن القصة القصيرة.. اذ نرى الكثير من المبدعين والكتاب والنقاد مازالوا متخبطين في أوحالها الداكنة، ولم يستقيموا بعد على رأي معين، فكل واحد يدلي بدلوه، حتى أصبح كل من هب ودب يكتب القصة القصيرة جدا، ويستسهلها إلى درجة التسيب والميوعة والكساد. في حين، تعد القصة القصيرة جدا فنا صعب المراس، يحتاج إلى مبدع كفء، وكاتب متمرس ، يعرف كيف يغربل الأجناس الأدبية، ويميز بين الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، خاصة و أن النقاد مازالوا إلى يومنا هذا لم يتمكنوا بعد من تقنيات هذا الفن الجديد بشكل من الأشكال، ولم يدركوا بعد أركانها وشروطها بشكل دقيق ومحكم ومضبوط، ومازالوا مختلفين حول الأركان والشروط على حد سواء، ومازالوا كذلك مترددين حول عناصرها الثابتة الجوهرية وعناصرها التقنية الثانوية. بالإضافة، إلى ما يسببه قلة التراكم وقلة التجربة عند مبدعي القصة القصيرة جدا من مشاكل في التقعيد، والتنظير، والتقويم ، والتوجيه…
و لعلّ القصة القصيرة تعاني الكثير من المشاكل و المعوقات التي تسمح بتطورها و فرض آلياتها وفق ما تقتضيه القاعدة الأدبية ، ومن أبرزها الوقوع في الموعظة والنزعة التعليمية ، حيث أن كثير من كتاب القصة القصيرة جدا يكتبون قصصهم، وهم يحملونها بالعبر والمواعظ والحكم والنصائح، وذلك اقتداء بأخبار المواعظ في الموروث السردي العربي القديم، ممايستوجب على الدارسين و الكتاب احترام أصولها و عدم الخلط بين أساليبها الفنية و الجوهرية .
وخلاصة القول: لايمكن للمبدع أن يحقق نجاحه في كتابة القصة القصيرة ، وأن يتميز في هذا الجنس الأدبي ، إلا إذا احترم أركان هذا الفن المستحدث ، من تكثيف، ومفارقة، وإدهاش، وإرباك، مع توظيف الجمل الفعلية، والاستعانة بخاصية التراكب والحذف والتثغير، ومراعاة شروط هذا الجنس الادبي، والعمل بعناصره التقنية، من ترميز، وأنسنة، وتشخيص، وأسطرة، وتناص، واهتمام باللغة ، وتنويع في البدايات والنهايات. وفي المقابل، عليه أن يتفادى مجموعة من الآفات السلبية التي تعاني منها القصة القصيرة التي تعد – في رأيي- أصعب عملية إبداعية ؛ وذلك لما تتطلبه من حذق، وذكاء، وكفاءة، ومهارة، ودراية بتقنيات السرد.
