اسماعيل القاسمي الحسني: أوراق دمشقية.. زيارة استقصائية في قلب العاصفة… كيف دعمت الجزائر سوريا

اسماعيل القاسمي الحسني
الحمد لله رب العالمين الذي تتم بنعمته الصالحات، حمدا يوافي نعمه و يكافئ مزيده، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله الطيبين الطاهرين و رضي عن أصحابه الأخيار المنتجبين.
جرت مقادير الله أن أكتب هذا الكتاب، الذي اخترت له عن قصد عنوان “أوراق دمشقية”، نظرا لخصوصية بنائه، كما قد يلاحظ القارئ الكريم فهو ليس دراسة ميدانية صرفة جافة، و لا هو في شكل رواية قصصية محكمة السرد مطعمة بابداع الخيال من صور، و إنما هي أشبه بمقالات ترصد ما استطاع أن ينتبه له الكاتب و رأى أهمية لتسجيله و توثيقه، تعني هذ المقالات الاوراق، المنفصلة و المتصلة في آن رحلة الى دمشق العروبة عاصمة سوريا، في مرحلة تعد من أحلك الظروف التي مرت بها عبر التاريخ، ذلك أن الحرب التي أشعل فتيلها في 15من شهر مارس 2011كان اشتد قد اوارها و حمي وطيسها أيام زيارتي لها التي بدات يوم 9 من شهر اوت عام 2014.
كأي مواطن عربي من الطبقة الكادحة، التي بفضل سياسات قادة العرب تزداد عاما بعد عام اتساعا و بؤسا، كان الجهد الاكبر ينصرف لضمان قوت الأسرة، و لا طاقة لي على تجاوز هذا الحد؛ غير أن هم الامة و اوضاع الدول العربية كان حاضرا تقريبا على مدار الساعة٠
كنا في الجزائر عام 2000 لتونا نخرج من حرب أهلية طاحنة، أتت على أخضرها و يابسها، و تركت جروحا غائرة تستدعي فترة من الزمن حتى تطيب، و كان من بين افرازاتها ظهور فاحش لطبقة اثرياء الحرب، الذين اتخذوا المال الملوث بدماء الابرياء جسرا لصناعة الجاه و اقتحام عالم السياسة و التحكم في الشأن العام للشعب، و قابله غياب الطبقة الموسرة سواء بالهجرة فرارا من جحيم فتنة عمياء لا تميز بين الناس، أو لمن بقي منها في الوطن نتيجة تعرضها للافلاس أو النهب المقنن من أطراف الصراع.
و لأن الكاتب يحسب من هذه الطبقة التي سحقت اثناء الحرب الاهلية، و لأنه من الحالة الثانية التي لم تسمح لها الظروف بمغادرة الوطن، نظرا لوفاة الوالد الشيخ خليل القاسمي الحسني 1993 رحمه الله، و لأنني ابنه البكر و قد ترك لي اخوة صغارا منهم من كان في التعليم المتوسط؛ أصبح لزاما علي البقاء إن لم يكن لمساعدتهم لاتمام مشوارهم الدراسي الى غاية الجامعة، فلا أقل من مؤانستي لهم بوجودي الى جنبهم.
كنت تاجرا ناجحا، و دخلي المادي يكفي الحاجة و يزيد عنها بكثير، بيد أن ابتزاز ما يسمى حينها بأمراء الجماعات المسلحة من جهة، التي كانت تفرض سلطتها و سطوتها الاجرامية على مدينة بوسعادة، و في المقابل نجاح التجارة لا يعني بالنسبة لمصالح الأمن و الجيش غير شبهة التواطئ مع تلكم الجماعات، ما يعني استدعاء من حين لآخر و تحقيق و تعقيدات لا سابق عهد لي بها، و لا طاقة لتحمل ظغوط الجانبين، انتهى بي الامر لتعطل التجارة و اعلان الافلاس التام1995.
في هذه السنة عدت لعالم الفلاحة، و انطلقت فيه من الصفر، أمارسه أعماله بيدي بعد أن فرت اليد العاملة و المساعدة خوفا كذلك من الجماعات المسلحة، التي كان مرورها دوريا عبر المزارع في المنطقة، ليس فقط للتزود بالخضر و الدواجن، و إنما كذلك لتنفيذ حكم الاعدام بحق أي فلاح أو راعي غنم، اتهم بالوشاية أو الجوسسة لصالح السلطة نظام الطاغوت كما ينعتونه؛ لقد عانت الجزائر في تلكم المرحلة الدموية السوداء حالة نزوح من الريف غير مسبوقة في كل تاريخها المعاصر.
بالنسبة لي لم يكن لدي خيار، غير البقاء مع الاسرة في سكننا بالمزرعة، و مداومة العمل بها لضمان قوتنا؛ أحيانا حين يتجاوز الخوف حدود المنطق و العقل، يشعر الانسان بضرورة التسليم للقضاء بشكل كلي، و ليكن ما يشاء الله و تجري به أقداره؛ رفضت من البداية منطق الجماعات الاسلماوية التي اتكأت على فتاوى الدكتور يوسف القرضاوي و غيره من علماء السعودية، رفضا مؤسسا عن علم و دراية، تعززه فطرة انسانية تأبى بطبيعتها القتل، و في المقابل رفضت حمل السلاح حين طلبت مني السلطات الأمنية ذلك، على اعتبار أنها فتنة حالقة لن أدخلها، و أفضل الموت مظلوما على يد أي طرف منهما، على أن أموت و هناك مثقال ذرة شبهة أني ظالم؛ ثم أني خلقت للحياة لا للموت و الاقتتال، خلقت للزرع الأخضر لا لحصاد الأرواح، باختصار شديد خلقت من ماء و ليس من نار، و الماء يعني الحياة، بل يعني كل الحياة.
مضت السنوات بقضها و قضيضها الى غاية عام 2000 حيث حطت حرب الفتنة الدهماء أوزارها، و طوت الجزائر دولة و شعبا صفحة دامية من الدماء و المآسي الانسانية، لم تعرفها الشعوب العربية في عصرها الحديث؛ لم انقطع اثناء مزاولتي للفلاحة التي عشقتها لما فيها من عجائب الخلق و حياة تنبعث امام ناظرك، من بذرة ميتة، و بديع تطورها فضلا عن تفاعل النباتات مع الفصول الأربعة، قلت لم انقطع عن متابعة أخبار العالم و خاصة منه العالم العربي، بالمطالعة اليومية للصحف، و جاءت الفضائيات بداية تسعينيات القرن الماضي، نوافذ أرحب نطل عبرها على ما يجري حولنا من أحداث، و تصريحات و ندوات صحفية حية لشخصيات سياسية قيادية.
مطالعة الصحف و الكتب ذات العلاقة بالدراسات السياسية، شكلت بالنسبة لي أثناء عزلتي في المزرعة، عالما اتنقل فيه و أشاهد من خلاله حركة فكرية، تدفع عني وحشة الوحدانية، و تملأ الفراغ الذي تركه التواصل مع السكان الذين نزحوا جميعهم من منطقتنا الفلاحية ذات ليلة نتيجة تهديد جماعة ارهابية، و الذين يقدر عدد بحوالي أربعين عائلة، طالما عج المكان بأصواتهم و هم يتنادون كل من مزرعته، سؤالا عن خبر فلان، أو اعلانا بتوقيت نوبة علان في الماء، أو حتى العتب حاد العبارات بخصوص بقرة ذاك التي وقعت في زرع ذا؛ أصبح المزارع الممتدة على ضفتي الوادي، بطول حوالي ستة عشر كيلومترا، من مدينة بوسعادة الى مدينة الهامل مسقط رأس الكاتب، خاوية تماما إلا من عائلتي الصغيرة.
لم أفكر يوما بأن أصبح كاتبا، و ما كنت أطالعه من كتب و تقارير خاصة بعد دخول شبكة الانترنت، إلا للمطالعة ليس أكثر، ثم إن تحصيلي المدرسي متواضع جدا، لا يجعلني أتوهم أمرا يقتضي بطبيعته تكوينا عاليا و أكاديميا؛ الى غاية يوم27/12/2008و الذي هزني من الداخل ككل مواطن عربي، ذلكم اليوم الذي أظهر فيه كيان العدو الاسرائيلي، و على رؤوس الأشهاد أمام كل العالم، مستوى الاجرام الذي يمارسه دون رادع في حق الشعب الفلسطيني، حيث صب جام آلته العسكرية الجهنمية على أهلنا في قطاع غزة.
صحيح أننا تابعنا على الهواء مباشرة نفس المشاهد الاجرامية لكيان العدو الاسرائيلي صيف 2006 ضد الشعب اللبناني، و رأينا حجم الغطرسة و العدوانية المتفلتة العقال، غير أن هناك فارق دقيق و مهم للغاية، و هو حضور المقاومة الاسلامية في طليعتها حزب الله، الذي كانت له القدرة على رد الصاع، و ضرب العدو في أماكن موجعة، ما يخفف قليلا علينا حجم الأسى و الحسرة، فضلا على أن لبنان كانت حدوده مفتوحة بشكل كلي مع سوريا، التي امتصت برحابتها و موقفها الانساني، قوة تأثير العدو، في حين أن الشعب الفلسطيني بقطاع غزة لم يكن يملك مقاومة و تسليحا بحجم حزب الله، و كان يعيش تحت حصار مطبق على أنفاسه برا و بحرا و جوا، و هنا يكون لإجرام العدو أبعاد تتخطى حدود الواقع الى السريالية؛ و عند هذا الموقف لابد من القول: أيا يكن الموقف من الجناح العسكري و الفصائل الفلسطينية المقاتلة في قطاع غزة، فلن يزيد عدد عناصره عن بضعة آلاف، في حين أن أطنان القنابل التي صبت على القطاع، كانت بحكم الضرورة و حتما تمس بشكل مباشر و غير مباشر مئات آلاف المدنيين، على رأسهم الأطفال و النساء و العجزة، و تكفي نظرة سريعة لتقرير غولدستن، الذي خلص الى نتيجة مفادها أن ما قام به العدو الاسرائيلي يعد وفق القوانين و المواثيق و المعاهدات الدولية جريمة ضد الانسانية، تستدعي حكما جلب المسؤولين عليها أمام محكمة الجنايات الدولية.
هذه الجريمة بعينها هي ما أحدث بداخلي زلزالا عنيفا، تداعت له كل صور اجرام الاحتلال الفرنسي بحق الشعب الجزائري، ليس بداية من عام1830 و إنما منذ أربعة قرون خلت قبله؛ لكن ما فجر القلم على تواضعه هو قمة غزة التي دعت لها قطر كقمة استثنائية تعقد في الدوحة، لاتخاذ قرار عربي مشترك، يرقى لمستوى هذا التحدي في العدوان و الغطرسة، و ما وقع من ردود فعل أنظمة عربية تزعمتها حينها مصر، كان همها الأول و الأخير وضع العصي في دولاب انعقاد هذه القمة، و علقت في ذاكرتي عبارة أحمد ابو الغيط بصفته حينها وزير خارجية مصر:” لما تؤول (تقول) مصر لأ يعني لأ”؛ و تمكن النظام المصري برئاسة حسني مبارك من إفشال تحقيق نصاب عدد القادة، للتحول القمة الطارئة الى مجرد قمة غزة، بقرارات غير ملزمة طبعا و لا تشمل كل الدول العربية.
عند هذا الموقف الجبان، بل و المتواطئ مع العدو كما فهمت كمواطن عربي بسيط، تجرأت على كتابة أول مقال في حياتي، بعنوان: فلاح عربي على أبواب زعماء قمة غزة؛ و من الطبيعي أن يكون الامضاء بصفة “فلاح جزائري”، أرسلته لصحيفة القدس العربي اللندنية، التي كان على رأس قائمة الصحف الدولية أطالعها يوميا؛ و لن أنسى ما حييت لحظة مفاجأتي يومين بعد ارسال المقال، بصدوره فعلا على صفحة “منبر القدس″ بنصه كاملا غير منقوص، و لا مشهد تجمع عائلتي الصغيرة أمام شاشة الكبيوتر، في حالة من الزهو و الفرح، لأن صوت مواطن عربي من قاع المجتمع و من أعماق الجزائر، ارتفع و سمع و قرئ في واحد من أشهر منابر الصحافة العربية الدولية. كان هذا الحدث الاستثنائي في حياتي حافزا قويا لكتابة مقال آخر، أعبر فيه عن رأيي بكل جرأة، و دون أي سقف منخفض، و جاءت المفاجأة الثانية بصدوره فعلا على نفس الصفحة، المعدة أساسا كرجع صدى كما توصف في علوم الاعلام للقراء، غير أن المقال على ما أذكر الثالث كان مفصليا، ذلك أن ادارة التحرير صنفته و نشرته في صفحة “مدارات”، التي كانت تجمع نخبة من الأقلام العربية المتميزة، و لأول مرة يظهر على صفحة الموقع الالكتروني للصحيفة؛ كانت هذه النقلة تعد بالنسبة للكاتب اعلان من الجريدة بتبني هذا القلم المتواضع، و أن صوت “الفلاح الجزائري” يستحق فعلا الاهتمام، ذلك أن صفحة مدارات، كانت تخصص لكتابها نشر مقال اسبوعيا بانتظام.
كان هذا الباب الأول الذي ألج منه لعالم الكتابة، و الخطوة الاولى من مشوار مئات المقالات التي تواصلت الى غاية عام 2012 حيث انقطعت لسبب مهم يعني موضوع الكتاب، سأتي على ذكره لاحقا، ثم تستأنف المسيرة المرهقة مع الاستاذ عبد الباري عطون مع أول عدد للصحيفة الالكترنية “رأي اليوم” عام 2013 التي أنشأها بعد أن غادر مكرها صحيفة القدس العربي.
و بما أن هذا الكتاب بين يدي القارئ، يعد العمل الأول للفلاح الجزائري، رأيت من الضرورة أن أقدم له الملخص السابق، ليعرف كيف تقحم صاحبه هذا العالم، و يعلم الحجم المتواضع لما في جعبته، حتى لا يتوقع منه أكثر مما يتطلع له، فلا يعدو الأمر كونه رؤية مواطن عربي بسيط، عالجته أزمة قتالية في بلده امتدت لعقد كامل كان شاهدا على بعض أحداثها، و مسار في عالم الكاتبة الكتابة لا يتجاوز خطوات من مشوار طويل و عسير.
لماذا قررت تأليف هذا الكتاب؟
كما أشرت سابقا، لم يكن بوارد في خيالي أن أقتحم عالم كتابة المقالات في الصحف الدولية، بحجم صحيفة القدس العربيمثلا، التي كانت تحظى بانتشار واسع في العالم و مقروئية عالية، فكيف لي أن أفكر في تأليف كتاب!
الحقيقة هي أن أحداث ما سمي “الربيع العربي” نهاية عام 2010 و بداية عام 2011 فرضت نفسها على أغلب الكتاب و المفكرين العرب و غيرهم، بل أصبح موضوعها و تفاصيليها المادة الرئيسية الغالبة في معظم وسائل الاعلام الدولية بكل أنواعها، المرئية منها و المسموعة و المقروءة؛ و كان من بين مظاهر تلكم التطورات المأساوية، أن انقسم الكتاب و المفكرون و الاعلاميون الى فسطاطين اثنين، أحدهما انحاز عن قناعة او تبعية الى ما سمي الربيع العربي، و سخر قلمه و فكره ليس للتبرير أو التفسير فقط، و إنما للتشجيع كذلك و الدعوة لاستمرارية ما وصف بالثورات، و توظيف كل الوسائل المشروعة منها و غير المشروعة لدعمها، متجاوزا كل القواعد المهنية و حتى الأخلاقية و الدينية لتحقيق شعارات رفعت عناوين براقة، تستقطب بطبيعتها عامة الناس و سوادهم الأعظم.
في حين قلة قليلة جدا، كان لديها في البداية تحفظات و مخاوف من انزلاق الأحداث نحو قاع الكوارث، ثم ما بلغ الأمر ليبيا، حتى اعلنوا بصراحة و وضوح موقفهم الرافض لاستعمال القوة العسكرية لغيير الأنظمة، و سجلوا اعتراضهم على تسليح المعارضة و دفعها نحو الاقتتال للاطاحة بالحاكم؛ هذا الطرف الثاني كان حينها محاصر الصوت، محجوب الرأي في وسائل الاعلام الثقيلة على وجه الخصوص، و إن جيء على ذكره فإنما لاتهامه بالعمالة للنظام المستهدف بالاطاحة، و يضرب مثلا في عبوديته للدكتاتورية.
كان الفلاح الجزائري يُعد من بين هؤلاء، لأنه عبر عن رفضه القاطع للتدخل الخارجي في الأزمة الليبية، و التي سريعا انتقل شررها بطريقة مشبوهة الى سوريا؛ و لست هنا بوارد ذكر الحيثيات و المعطيات التي اعتمدتها، نظرا لوجودها بالتفصيل في عشرات المقالات سواء على صحيفة القدس العربي الى غاية عام 2012 كما أسلفت، و بعد أن أوقف نشر مقالات الفلاح في الصحيفة لموقفه هذا تحديدا من قبل المسؤول عن صفحة مدارات (سوري التحق بما يسمى بالمعارضة)، هناك عديد من المقالات في الصحيفة الالكترونية “الوطن الجزائري”، التي كانت الوحيدة خلال ذلكم العام و الى غاية انطلاق صحيفة “رأي اليوم” عام 2013 التي فتحت صفحاتها لهذا القلم.
في هذه المرحلة و تحديدا مع اعلان الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عن ضرورة تشكيل هيئة تحت مسمى “أصدقاء الشعب السوري”، و نحن كجزائريين أعرف الناس بالعقل السياسي الفرنسي، و مدى عمق حقده على هذه الأمة، كما نعرف كذلك شخصية هذا الرئيس مولدا و نشأة و عقيدة و سيرة؛ فضلا عن ذلك سوابق في التاريخ المعاصر للعبة “أصدقاء الشعب الفلاني”؛ الغشاء الذى دعا له ساركوزي لقي استجابة سريعة من قبل الأنظمة التي كانت تتحين فرصة لضرب دول عربية بعينها، و منها سوريا طبعا، و تجسدت باستضافة منصف المرزوقي بصفته رئيس تونس التوافقي، و هنا تبقى حدود شرعية الرئيس و صلاحياته حيال موقف خطير بهذا المستوى محل نظر، و اقيم بالفعل أول مؤتمر لهؤلاء الاصدقاء الأعداء يوم24 فبراير2012 في تونس، بحضور سبعين دولة منها ما لا يزيد حضوره عن تسجيل رقم لتضخيم العدد، مثل اليونان الذي يعيش حالة غرق في الديون قاتلة، أو غيره كألبانيا و جيبوتي و استونيا و فنلندا و قبرص و كولومبيا و التشيلي و الارجنتين و الدانمارك و غيرها كثير.
في هذه المرحلة، كان لافتا أمران اثنان خلال تجاذب اراء الكتاب و المفكرين و الاعلاميين، و اكتشفت أولهما أثناء مناقشاتي الخاصة و أكثر من حوار مع بعض رموز ما يسمى بالمعارضة السورية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو مراسلات خاصة، تأخذ على الفلاح الجزائري بناء موقفه دون معايشة و معاينة واقع ما يحدث في سوريا، كان لهذه الحجة التي رفعها في وجهي بعض المعارضين أثر بالغ على تفكيري، فمهما كانت قوة الأدلة في تقديري التي كنت أعتمدها، و التي قد تغني عن ضرورة معاينة الواقع، يبقى السؤال: و لماذا لا أسافر الى سوريا و أشاهد بعيني رأسي ما يجري فعلا؟.
هذا السؤال استدرج الأمر الثاني، بملاحظة غياب الكتاب العرب و المفكرين خاصة من مصر و تونس و الجزائر و المغرب و غيرهم، عن الواقع الميداني و المعيشي لسوريا؛ ففي حدود علمي و متابعتي اليومية لأبرزهم و أكثرهم قراء، لم أقف على حالة كاتب عربي مستقل، رآى ضرورة السفر لسوريا و تقديم قراءته من واقع مشاهدته.
أمام هذه الحجة التي لا انكر صوابها، وجدتني أفكر جديا في التحضير للسفر، و ما تأخر تنفيذ هذا القرار إلا لسببين رئيسسين، الأول: أنني كنت أخضع لعلاج مرض السرطان في مستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة، بداية من عام 2011 تقريبا، و الذي يمنع بشكل كلي انقطاع حصصه، و التي امتدت لغاية منتصف عام 2014؛ أما السبب الثاني لكوني أصر على استقلاليتي لا أتقاضى أجرا من الصحف التي تنشر مقالاتي، كان لابد من توفير مبلغ السفر و الاقامة بسوريا و ما تقتضيه مهمة تقصي واقعها من حركة تنقل، الأمر الذي ليس ميسرا تحصيلهبالنسبة لموطن عربي بسيط؛ غير أنني اغتنمت فرصة وجودي بالعاصمة للتواصل المباشر مع سفير الجمهورية العربية السورية، السيد غانم نمير، ضرورة اقناع القيادة السورية بالاستفادة من التجربة الجزائرية، و على وجه التحديد ملف المصالحة، الذي أثمر في الجزائر نتائج طيبة.
و تحقق فعلا الهدف بالسفر الى سوريا في الشهر الثامن من عام2014 بعد شهرين فقط من النقاهة نتيجة آخر حصة علاج اشعاعي بعد سلسلة حصص سابقة منه و من حصص العلاج الكيماوي قبلها، و أجدني على أرضها و بين أهلها في دمشق، و عاينت بعيني رأسي واقعها و عايشت كثيرا من الأحداث التي وقعت مدة اقامتي بها قرابة شهرين، و كانت لي الفرصة للتنقل بين مدنها من دمشق الى حمص مرورا بالقلمون و غيرها كطرطوس و اللاذقية و جبلة و بانياس و القدموس و رأس البسيط، سآتي على ذكرها تفصيلا لاحقا.
الورقة الاولى: جلسات مع سفير الجمهورية العربية السورية بالجزائر.
كان حرصي على لقاء السفير السوري غانم نمير، يتجاوز موضوع زيارتي لسوريا لأمر كنت أراه أكثر أهمية بكثير، و قد تعددت اللقاءات لأكثر من ثلاث مرات بمكتبه في مقر السفارة؛ و هنا تجدر الاشارة لموقف جزائري مغيب عن الاعلام و القارئ العربي، لا يسعني إلا تسجيله.
في الليلة التي كان موعد لقائي بالسفير يوم غدها، أبلغني مستشار برئاسة الجمهورية خبرا كان صاعقا بالنسبة لي من حيث التوقيت، فقد أعلمني وفق روايته بأن مقر السفارة السورية ملك لعائلة جزائرية، كانت قد أجرته للسفارة منذ سنوات عديدة، ثم قررت عدم تجديد عقد الايجار، و طالبت السفارة السورية باخلاء العقار.
السفارة بها مبنيين اثنين احدهما فيلا صغيرة على الطراز الكولونيالي، جميلة جدا لأنها زاوجت بين المعمار الفرنسي و العثماني بطريقة فنية لا تشعرك بالنشاز، و هي المقر الرئيسي حيث مكتب السفير و لواحقه، في حين على بعد منها بعشرات الامتار مبنى آخر يفترض أنه لاقامة الموظفين غير أنه مهجور و مهمل، يقع هذا المقر وسط غابة باسقة الأشجار و النخيل يزين مدخلها و ممرها الطويل من البوابة الرئيسية، و قد تتربع على مساحة اجمالية تتجاوز الخمسة عشر ألف متر مربع، بأعالي الجزائر العاصمة في واحد من أرقى أحيائها ببن عكنون، قبالة القلعة الزجاجية لمقر وزارة المالية.
و لما رفضت السفارة اخلاء المكان، اضطر الملاك الأصليون لرفع دعوى قضائية، تدرجت عبر كل مستويات التقاضي لتنتهي بالحكم النافذ و النهائي لصالحها، و بعد استنفاذ الآجال القانونية استخرجت الصيغة التنفيذية، التي تقضي باخلاء المكان بالقوة العمومية، و متى؟ في يوم لقاء الغد. كان وقع هذا الخبر من مصدر برئاسة الجمهورية رفيع بالغ الأثر، فقد تداعت سينايوهات التنفيذ، و كيف سيتناول الاعلام العربي خاصة منه الذي حشد كل طاقاته و وقته لرصد أي حدث ينتقص من سوريا، ثم كيف يتم لقائي بالسفير في مثل هذا الموقف؟ هل يتم الغاء الموعد؟ أم سأكون شاهدا على دخول القوة العمومية الجزائرية لتفيذ أمر قضائي لا يمكنها إلا الانصياع له؟ أسئلة كثيرة و سيناريوهات عديدة شدت اليها تفكيري تلكم الليلة.
لكن صباح الغد و بعد اتصالي بالسفير على خطه المباشر، الذي أكد لي أنه بانتظاري، تلقيت اتصالا هاتفيا من مستشار رئيس الجمهورية ليفاجئني بخبر مفاده أن رئيس الجمهورية تدخل بصفته القاضي الأعلى في البلد، و أمر بعدم تنفيذ الحكم، عارضا على الملاك الأصليين أحد الخيارين: إما تجديد عقد الايجار بالسعر المتداول في السوق، أو بيع العقار كذلك بالسعر الذي تقره سوق العقار لدى الخواص، و رئاسة الجمهورية هي من تتكفل بدفع المصاريف لأي خيار يستقر عليه قرار الملاك؛ و لن يسجل على الجزائر أنها أخلت السلك الدبلوماسي السوري بالقوة العمومية مهما كان المبرر قانونيا و مهما كان الثمن المطلوب.
كان كابوسا سياسيا مروعا و انزاح عن نفسي، ذلك أنه لم يسبق في العلاقات الدولية في حدود علمي، أو على الأقل بين الدول العربية، أن حدث طرد السفير من مقر السفارة بالقوة العمومية الجبرية، و لو أن الأمر تم بالفعل لسجل على الجزائر وصمة لا تمحى، خاصة و سوريا تمر بظروف صعبة و معقدة للغاية، و تواجه حربا من نوع جديد، كان رأس الحربة فيها أشقاؤها العرب و أولهم بعض جيرانها، و لم ترحمها الآلة الاعلامية الجبارة، التي دأبت على تضخيم كل صغير، فكيف بحدث مثل هذا؟ و أين؟ في الجزائر التي مارست تلكم الأنظمة كل وسائل الضغط و الاغراء لاستدراجها نحو محورها. لم أكن أفكر في وقع هذا الحدث لو تم على القيادة السورية، و إنما كيف يكون وقعه على الشعب السوري، الذي اصطف وراء قيادته في هذه الحرب، و هو الذي يكن للجزائر شعبا و دولة أعلى درجات الاحترام و الود، منذ زمن الامير عبد القادر بن محي الدين رحمه الله؟ لا محالة أن حدثا كهذا سيوقع زلزالا و تصدعا في نفسية الشعب السوري، خاصة إذا تخيلنا كيف تعرضه فضائيات مثل قناتي الجزيرة القطرية و العربية السعودية.
كان لقائي الأول بالسفير السوري على ما أذكر أواخر عام 2012 امتد لأكثر من ساعة و نصف الساعة، بدايته التعارف الشخصي، ثم مضى السفير في عرض قراءة القيادة السورية لما يجري، ليس هناك أمر خاص يمكنني أن أسجله للقارئ، فكل ما سمعته معلوم لدى الجميع لا أرى حاجة لتكراره، تحت عنوان “الحرب الكونية” على سوريا.
غير أن ما لفت انتباهي في هذا اللقاء الأول مع السفير السوري النقاط التالية:
أن السفير قد مضى على وجوده في الجزائر سبعة عشر عاما، و هذا أمر غير معهود في السلك الدبلوماسي.
لم يتعرض في حديثه لموقف رئيس الجمهورية الذي جنب طاقم السفارة السورية التعرض لتنفيذ الحكم القضائي، و حافظ على هيبة و مكانة الدولة السورية.
أن علاقته بالقيادات الجزائرية تكاد تكون معدومة تماما، و حالة التواصل مجمدة.
و عبر السفير غانم نمير بلغة دبلوماسية بعد أن شكر مواقف الجزائر في جامعة الدول العربية و هيئة الأمم المتحدة، عن تطلع القيادة السورية الى مواقف ترقى لحجم و قيمة الجزائر.
و من لديه خبرة و إن متواضعة باللغة الدبلوماسية، يمكنه أن يفكك شيفرة النقاط سالفة الذكر.
و حين سألت السفير عن الأسباب التي وفق قراءته، خفضت من حرارة العلاقة بين البلدين الى درجة الجمود، في حين أن مواقف الجزائر كانت تتميز بالدفاع عن سوريا، أخبرني أنه هو نفسه يبحث عن الأسباب و لم يقف الى ساعة هذا اللقاء على اجابة موضوعية و مقنعة.
لم أر داعيا للدخول مع السفير في مناقشة تلكم النقاط، لأنني لم أسمع من الجانب الرسمي الجزائري قراءته، ثم ليس من شأني أن أدخل في تفاصيل علاقات دبلوماسية لها رجالها و هيئاتها الرسمية المسؤولة.
من جانبي كان هدفي الرئيسي في هذا اللقاء الأول، هو طرح التجربة الجزائرية، و خاصة منها ملف المصالحة، و عرضت بين يدي السفير الخطوط العريضة لتلكم التجربة الفريدة، و التي اسهمت بشكل فاعل في تعجيل طي حالة الاقتتال الداخلي بالجزائر؛ هنا أخبرني السفير أن جهة جزائرية مختصة وفق تعبير (لعلها مصالح الأمن كما فهمت)عرضت عليه الفكرة و نصحته بها، غير أنها لم تزوده بتفاصيلها و كيفية إقناع أمراء الحرب بها؛ حين وجدت استعدادا مبدئيا لدي السفير السوري، للنظر جديا في تجربة المصالحة الجزائرية، افترقنا على وعد مني ازوده بكل تفاصيل تلكم التجربة الرائدة فعلا.
فلاح جزائري

قد يعجبك ايضا