معن بشور: في رحاب فلسطين والعروبة

معن بشور
1- حكايات فلسطينية من دلال الى باسل
بين 11 آذار 1978، حين كانت دلال المربي ورفاقها الشهداء، ومنهم الأسير اللبناني البطل يحيى سكاف،ينتقمون لكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار بعد 5 سنوات على استشهادهم في بيروت على يد الكوماندوس الصهيوني، وبين 6 آذار/مارس 2017 حين استشهد البطل باسل الأعرج شاهرا سلاحه البسيط وايمانه العميق وفكره المقاوم ، بوجه جحافل العدو، ويقاتلهم حتى الاستشهاد في منزله في ضواحي رام الله، جرت تحت الجسر الفلسطيني المعلق مياه كثيرة، حدثت انتفاضات وعمليات بطولية، وحصلت اتفاقات ورهانات خائبة، وارتقى مناضلون وشهداء، وسقط متخاذلون وعملاء،و تغيرت أحوال وأوضاع ،وتبدلت ظروف وأزمان، لكن ما بقي صامداً على مدى 39 عاماً، بل على مدى 69 عاماً (منذ النكبة) هو الحق الفلسطيني الذي كلما بدا في الأفق إن الأعداء نجحوا في تصفيته، خرج طفل بحجارته، وأم بوشاحها، ومقاتل ببندقيته، ومبدع بقلمه، ومن يرفع آذانا في مسجد ، ومن يدق ناقوسا في كنيسة ، ليعلنوا جميعا إن فلسطين باقية ومنتصرة حتى لو تعب كثيرون، فالأفراد تتعب، والتنظيمات تتعب، والحكومات تتعب وتتخاذل، ولكن الشعوب والأمم لا تتعب…. ولا تتخاذل..
يوم كتبت في مجلة “الثائر العربي” في بيروت عام 1972، وإثر استشهاد المبدع الفلسطيني الرائع غسان كنفاني: “حيث يسقط لنا شهيد ينبت ألف مناضل جديد”، لم أكن ادري إن فتاة فلسطينية في مخيم مظلوم ستمتطي مع رفاقٍ لها زورقاً مطاطيا من شاطئ لبنان إلى ساحل فلسطين لتنفذ عملية بطولية وتحمل مجموعتها اسم” كمال عدوان” الذي اغتاله الصهاينة في عاصمة لبنان… كما لا ادري اليوم من سيحمل راية باسل الأعرج ليلقن المحتل درساً لن ينساه، بل ليصعّد انتفاضة شعبية تدحر المحتل، وتحرر القدس، وتزيل المغتصبات، وتحرر الأسرى ،وتفك الحصار عن غزة….
هذه هي حكايتنا مع فلسطين، رغم كل ما يحيط بنا من تخاذل وتطبيع وتواطؤ ومصاعب وعقبات وافتراءات وأخطاء وخطايا، وهذه هي حكاية فلسطين مع شعبها العظيم الذي لم يبخل عليها يوماً بالتضحيات.
بأمثال دلال وباسل وكل الشهداء والأسرى والجرحى والمقاومين والشرفاء فلسطين ستنتصر….
2- جريمة جديدة في دمشق
فيما تستعد دمشق العروبة لاستقبال ربيعها المشرق الواعد بسلام وأمان يلف الربوع السورية كلها، يقدم إرهابيون مجرمون على تفجير واحد من أحيائها العريقة المكتظة بالسكان، فيقتلون العشرات من المواطنين الأبرياء ويجرحون المئات ويدمرون الممتلكات في محاولة مستحيلة لمنع انتصارات يحققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه على امتداد الجغرافيا السورية بما يؤكد وحدة وطن حمل على الدوام راية الوحدة في أمته.
لقد اختار المجرمون ساحة باب الزوار في مقبرة الباب الصغير في قلب العاصمة السورية حيث ترقد قامات روحية وثقافية ووطنية مما يؤكد إن يد الإجرام لا تريد النيل من حاضر سوريا ومستقبلها فحسب، بل أن تجتث جذورها الحضارية العريقة.
إن عملية التفجير الإجرامية الجديدة في دمشق هي محاولة أخرى محمومة شهدتها كل المدن السورية، في محاولة لوأد كل محاولات الوصول إلى حل سياسي بين أبناء الوطن الواحد ليبنوا معاً سوريا لكل أبنائها وبكل أبنائها.
إن كل شرفاء الأمة، وأحرار العالم، مدعوون اليوم لممارسة كل أنواع الضغوط على كل ممول ومسلح ومحرض على القتل في سوريا وفي غيرها من أقطار الأمة، وقد بات هؤلاء معروفين للقاصي والداني،
كلنا ثقة إن سوريا ستنتصر على المجرمين والحاقدين الذين يريدون تدمير واحدة من أهم قلاع التسامح الإنساني و التحرر الوطني والتقدم الحضاري في امتنا والعالم.
3- 11 آذار والعلاقة بين العرب والأكراد
في 11 آذار/مارس 1970 أصدرت القيادة الوطنية العراقية بيانا تاريخيا أقرت فيه بغداد بالحقوق القومية والثقافية للأخوة الأكراد في العراق، كما منحتهم حكما ذاتيا، وحل سلام بين الحكومة المركزية والثوار الأكراد، تم تجويفه فيما بعد من خلال أخطاء إدارية وأمنية وهواجس متبادلة عند الفريقين.
لكن بيان 11 آذار/مارس ،الذي جاء ثمرة مفاوضات بدأت في بيروت بين قياديين بعثيين لبنانيين وممثلي الملا مصطفى البارزاني- د.مصطفى الجاف ودارا توفيق-، كان محطة مضيئة في العلاقة بين العرب والكرد الذين تربطهم من المصالح والمشاعر والعقائد ما يفوق بكثير ما يفرقهم.
1-إن صدور هذا البيان عن حزب البعث، وهو حزب قومي عربي، ينفي الطابع العنصري عن الحركة القومية العربية، إذ لا يمكن أن تكون قوميا عربيا وتنكر على الآخرين قوميتهم.
2-إن هذا البيان الصادر في بلد عربي هام كالعراق ،والذي لم يصدر بيان مماثل في أي دولة يقيم فيها أكراد منذ صدوره في بغداد قبل 47، بما يؤكد إن العرب هم من الأمم الأكثر انفتاحا على الجماعات القومية والاثنية التي تتساكن معها في الوطن العربي الكبير، وان كل الصدامات الدموية التي جرت في المنطقة هي معارك سياسية يتداخل فيها الداخل والخارج ويتم إلباسها لبوسا عرقية أو دينية أو مذهبية لتفتيت المجتمعات وتدمير الدول ،بعد أن تم انجاز تجزئة الأمة إلى كيانات كبيرة وصغيرة حسب مصالح الدول المهيمنة على العالم..
3- إن الدور الذي لعبه بعثيون لبنانيون شباب، كانوا في العشرين من أعمارهم، في التمهيد لمحادثات الحل السلمي للمسألة الكردية في العراق، يؤكد الدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان، الرسمي والشعبي، في إطفاء حرائق مشتعلة في الوطن العربي والإقليم.
إن استعادة هذه الحادثة المهمة في حياة الأمة والإقليم قد يساعد في دفعنا جميعا ،عربا وفرسا وتركا وكردا وآخرين، إلى مراجعة شجاعة ومعالجة عميقة لإخراج منطقتنا من حال الحروب والفتن المدمرة لنا جميعا….إلا إذا كنا شعوبا لديها “قابلية للاحتراب” على غرار “القابلية” للاستعمار التي كتب فيها المفكر الجزائري مالك بن نبي…
4- أقوى من الفتنة
فيما كنت أتابع بحزن وألم أنباء الاشتباكات الناجمة عن إشكال فردي بين عائلتين لبنانية وفلسطينية، حول مخيم برج البراجنة، كانت أمامي دعوتان لفعاليتين تحتضنهما بيروت الأسبوع القادم .
الأولى في “دار الندوة”حول لقاء تأبيني تكريمي للشهيد باسل الأعرج ولرفض القانون العنصري الصهيوني لمنع رفع الأذان في مساجد فلسطين وذلك في السادسة من مساء الاثنين في 13/3/2017(وهو بالمناسبة الذكرى 14 لاستشهاد المناضلة الأميركية راشيل كوري في رفح)..
والثانية في قاعة الاونيسكو حيث يقام بدعوة من الأحزاب اللبنانية والمقاومة لقاء تكريمي للمطران الفدائي الراحل ايلاريون كبوجي يوم الأربعاء في 15/3/2017 (وبالمناسبة سيقام لكبوجي لقاء تأبيني في الرباط المغربية في يوم الأرض في 30/3/2017).
تساءلت أي مشهد اصدق في التعبير عن العلاقة اللبنانية- الفلسطينية :اهو ذلك الإشكال الفردي الذي جرى تضخيمه واستغلاله من قبل “حزب الفتنة “أم ذلك التصميم على صون الأخوة اللبنانية- الفلسطينية والذي يعبر عن نفسه كل يوم بفعاليات سياسية وشعبية وثقافية وفنية ،وعلى امتداد الجغرافيا اللبنانية ،ويجري التعتيم عليه بشتى الوسائل والأساليب.
“حزب الفتنة” لن ينتصر..لان من جمعتهم الشهادة والمقاومة المشتركة ضد العدو..لن يسمحوا للفتنة أن تمر…

قد يعجبك ايضا