كمال الهردي: فقه اللغة وسر العربية
كمال الهردي
شددنا الرحال سنة أربع مائة للهجرة الموافقة لسنة ألف واثنتي عشرة للميلاد إلى مدينة نيسابور للقاء اللغوي أبي منصور الثعالبي ، ولدى وصولنا داره أخبرنا بأنه توجه نحو بلاط الأمير ليسمعه ممدوحته التي زين مطلعها بقوله :
لك المفاخر معجزات جمة☆☆أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابه☆☆شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
ولأننا لم نكن على دراية بشعاب المدينة وطرقها فقد آلينا انتظاره بباب داره حتى مقدمه. لم يطل بنا المقام حتى طلع علينا رجل طويل القامة بملامح حادة يعلوها وقار وهيبة وذكاء. وحين علم بأننا ضربنا إليه أكباد الإبل للتعرف إليه وإلى مصنفاته رحب بنا بحفاوة العربي وأدخلنا داره حيث كشف لنا سر أسراره ( فقه اللغة وسر العربية ).
أنصتنا باهتمام إلى شرحه لمراحل كتابته لذلك المؤلف الذي استغرقه فكرا ووقتا حتى أتم فصوله وأبوابه والتي ربت عن المئة. كان كلامه شيق بمواضيعه وعميق بمعانيه وغني بجواهر ألفاظه ؛ كان بحق ماتعا ونافعا ، فكان أن سألناه عن أول باب في كتابه والذي أفرده للكليات فقال :
《 كل ما علاك فأظلك فهو سماء ، وكل أرض مستوية فهي صعيد، وكل حاجز بين شيئين فهو موبق ، وكل بناء مربع فهو كعبة ، وكل بناء عال فهو صرح ، وكل متاع في الدنيا فهو عرض ، وكل نازلة شديدة بالإنسان فهي قارعة ، وكل ما أوقد النار فهو حصب ، وكل دابة في جوفها روح فهي نسمة ، وكل نبت يقع في الأدوية فهو عقار ، وكل جبل عظيم فهو أخشب ، وكل صانع عند العرب فهو إسكاف ، وكل ما ارتفع من الأرض فهو نجد ، وكل ما تناهى في القبح فهو فاحش ، وكل ما لا تفهمه العرب فهو رطانة ، وكل ما جاوز الحد فهو طاغ ، وكل ضارب بمؤخرته كالعقرب فهو لاسع ، وكل ضارب بفمه كالحية فهو لادغ ، وكل قابض بأسنانه كالسباع فهو ناهش》.
ثم مالبثنا أن سألناه عن الباب الثاني والذي خصصه للمقاربات والتمثيل ، فأجاب قائلا :
《 أرداف الملوك في الجاهلية بمنزلة الوزراء في الإسلام ، والربوض عند الغنم بمنزلة بروك الإبل وجثوم الطير ، والبراثن من الكلب بمنزلة الأصابع من الإنسان ، والمهر من الخيل بمنزلة الفصيل من الإبل والجحش من الحمير والعجل من البقر ، والناقة اللقوح بمنزلة الشاة اللبون والمرأة المرضعة ، والمشرط للحجام كالمبضع للفاصد ، والرؤبة للإناء كالرقعة للثوب ، واللفح من الحر كالنفح من البرد ، والهالة للقمر كالدارة للشمس ، والبشم ( التخمة ) من الطعام كالبغر من الشراب ، والدرج إلى فوق كالدرك إلى أسفل ، والوعورة في الجبل كالوعوثة في الرمل 》.
نسينا أننا قدمنا عليه من عام 2017 فتوقعنا أن تدخل علينا جاريته بكوز شاي ، فإذا بها تدخل علينا بإناء مترع بحليب الإبل ! ملئت الأقداح وشربناه على مضض ، ثم سألناه عن الباب الثالث والذي كرسه لاختلاف الأسماء باختلاف أوصافها ، فأردف مجيبا :
《 لا يقال كأس إلا إذا كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة ، ولا يقال مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهي خوان ، ولا يقال كوز إلا إذا كانت له عروة وإلا فهو كوب ، ولا يقال نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب ، ولا يقال عهن إلا إذا كان مصبوغا وإلا فهو صوف ، ولا يقال رمح إلا إذا كان عليه سنان وإلا فهو قناة ، و لا يقال عويل إلا إذا كان معه رفع صوت وإلا فهو بكاء ، ولا يقال ثرى إلا إذا كان نديا وإلا فهو تراب ، ولا يقال للعبد آبق إلا إذا كان من غير خوف وإلا فهو هارب ، ولا يقال لماء الفم رضاب إلا ما دام في الفم فإذا فارقه فهو بزاق ، ولا يقال للمرأة ظعينة إلا ما دامت راكبة في الهودج ، ولا يقال لجماع الرجل مشق إلا إذا كان شديدا وإلا فهو نكاح ، ولا يقال للثوب حلة إلا إذا كان ثوبين اثنين من جنس واحد ، ولا يقال للذهب تبر إلا ما دام غير مصوغ ، ولا يقال للمرأة عاتق إلا ما دامت في بيت أبيها ، ولا يقال للإسراع إهطاع إلا إذا كان معه خوف ولا إهراع إلا إذا كان معه رعدة 》.
لم نشأ أن نطيل على الإمام اللغوي أبي منصور الحديث ، فاستأذنا بالرحيل غير أنه أبا وأصر على مكثنا في ضيافته لثلاثة أيام ، فوجدناها فرصة سانحة لاستكمال فصول كتابه معه في جلسات لاحقة…
كاتب وروائي يمني
