عز الدين نجيب يناقش أزمة التشكيل المصري ومحاولات تجاوزها
شبكة وهج نيوز : على الرغم من أن كتاب «فجر التصوير المصري الحديث» لمؤلفه الفنان والناقد عز الدين نجيب قد صدرت طبعته الأولى عام 1985، وصولاً إلى طبعته الثالثة الصادرة هذا العام، إلا أنه لم يزل يحمل القدرة على الإدهاش، بداية من المنهج السوسيولوجي الذي تبناه المؤلف، موضحاً من خلاله مسيرة الفن المصري في العصر الحديث، ليس بهدف التأريخ ولكن من خلال عدة مشكلات واجهت عودة الروح إلى هذا الفن وإلى الفنان المصري، الذي ظل حائراً زمناً حتى اهتدى، أو التقط أنفاسه، محاولاً أن يجد صيغة فنية ترضيه، وحتى انعكاس هذه المشكلات على الفن المصري الآن، رغم حالة القطيعة البادية في أعمال فناني اليوم. اقتصر البحث على الفترة ما بين عام 1900 وحتى 1945، وهي الفترة التي تشكّلت من خلالها ملامح الشخصية المصرية الحديثة، من الناحية الاجتماعية والفنية، إضافة إلى العثرات السياسية والحس الوطني والقومي في ما بعد. وحالة الربط الدائم ما بين الفني والاجتماعي تجعل أفق الرؤية أكثر وضوحاً، وبعيداً عن اللغو والتهويمات التي أصبحت سمة سيئة السمعة، كلما امتد الحديث أو تماس مع الفن التشكيلي.
المعرض الفني الأول في مصر
كان ذلك عام 1891، وقد افتتحه الخديوي بنفسه، مصطحباً معه العديد من الأمراء والأعيان والفنانين الأجانب. ذلك العام أيضاً هو عام مولد محمود مختار ويوسف كامل. لم يكن الفن في الحسبان، قدر الحرص على إقامة مظاهر الحياة الأوروبية، وهو ما فعله الأمير يوسف كمال استجابة لنصيحة صديقه المثّال الفرنسي غيوم لابلان ــ الذي كان شديد الاقتناع بوجود مواهب فنية موروثة في الشعب المصري ــ بإقامة مدرسة للفنون على غرار مدرسة الفنون في باريس. وبالفعل تم افتتاح المدرسة عام 1908، وتقدم إليها 170 طالبا خلال شهر، كان أولهم رائد النحت المصري الحديث محمود مختار.
البداية المأزومة
ويشير عز الدين نجيب إلى أن أزمة الفن المصري بدأت منذ الصحوة التي طالته، فالمناهج الأكاديمية لهذه المدرسة كانت قد تجاوزتها حركة الفن الأوروبية منذ نصف قرن، فكل ما ثار عليه الواقعيون والانطباعيون، كان على جيل النهضة أن يتبعه ويطيعه طاعة عمياء. ويقول نجيب «هناك أرستقراطية مولعة بالتقليد تتبنى وتمول، وأكاديمية مكتوفة بالتقاليد تؤسس وتربي، وبينهما جيل من الشباب الموهوب لم يعرف من الفن ما قدموه له». هذا الميل إلى النزعة الأكاديمية لم يتركهم حتى وهم في أوروبا تحيطهم التيارات الفنية المتباينة، «هذه القوالب الفنية أدت إلى شيوع الفن الأوروبي المتدهور، بل وجعله مقياساً لما ينبغي أن يكون عليه الفن الجميل» كما يقول رمسيس يونان. مع ملاحظة أن الجيل الأول من الفنانين المصريين نشأ في ظل أكثر هذه القوالب أكاديمية، وهو «الطبيعية» أي الوصفية المباشرة لمظاهر الطبيعة، ولذلك كان تأثير أوروبا على مَن سافر إليها من ذلك الجيل ثانوياً مقارنة بتأثير ما درسوه من مناهج وأساليب في مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة ــ التأثير التقني بخلاف موضوع العمل الفني ــ هكذا كان كل من يوسف كامل وراغب عياد، على سبيل المثال.
يستثني نجيب، محمود سعيد من هذه الحالة الأكاديمية المزمنة، لأنه كان أكثر انفتاحاً في تعامله والأكاديمية الأوروبية، مبرراً ذلك بأن سعيد لم يصل إليها عن طريق المدرسة المصرية المتزمتة، بل عن طريق المراسم الخاصة بالإسكندرية، كذلك متاحف وكنائس أوروبا. فهو في الأخير اكتسب خلاصة المدارس الأوروبية.. كالبناء والتوازن بين عناصر تكوين اللوحة، وكثافة الألوان والظلال، وهو ما اتضح في مرحلة نضجه الفني في الثلاثينيات، التي بنهايتها أنهى أغلب ذلك الجيل ما أنجزه، وأصبحوا أنماطاً فنية، باتباع مداس تخطاها الزمن أو تكرار أنفسهم عجزاً عن التطور. حالة الجمود هذه واكبها جمود سياسي واجتماعي، تمثل في معاهدة 1936، ووضع الحد لنهاية مرحلة الديمقراطية الليبرالية المصرية.
بدأت جماعة «الفن والحرية» في عام 1939، وكانت أجواء الحرب العالمية الثانية ومناخها هو ما شكّل وعيها، فكانت قضية التمرد والثورة الكامنة في نفوس أعضائها أكبر من قضية الفن والثقافة، كانت ثورة تمتد من الفن إلى الأخلاق ومن الفلسفة إلى السياسة، ومن التصدي للأكاديمية إلى التصدي إلى للديكتاتورية، وهي الحركة الوحيدة على امتداد التشكيل المصري، التي كشفت عن دورها السياسي ومارسته بالفعل. وكانت السريالية هي الملاذ لهم، كثورة جديدة صاعدة في الغرب. وما بين جورج حنين المنظّر الفكري الأول للسريالية المصرية، ورمسيس يونان في تنظيراته التشكيلية، التي تضمنها مؤلفه (غاية الرسام العصري) الذي يرى أن السريالية في صميمها دعوة لثورة اجتماعية وأخلاقية قبل أن تكون مذهباً فنياً، نشأت حركة أحيت موات الفن والأدب والوعي المصري.
جماعة الفن المصري المعاصر
يمثل كل من عبد الهادي الجزار وحامد ندا حالة أخرى مختلفة من مسيرة الفن المصري، وبالمخالفة من جماعة الفن والحرية، كان الاستناد هنا إلى السيريالية الشعبية، ومخزون الوعي الجمعي ــ ينتصر نجيب لهما خلافاً لرمسيس يونان ورفاقه ــ عمل الجزار على الأساطير والرموز المصرية، وتفاعل مع يوليو/تموز 1952، وكان أكثر مَن عبّر عن مشروعات العهد الناصري، كالتأميم والميثاق والسد العالي، بينما حامد ندا منذ الستينيات أصبح يستلهم أشكال الفن المصري القديم والفنون الزنجية ورسوم الكهوف البدائية. وتوالى الفنانون الذين سخّروا فنهم في سبيل القضايا الاجتماعية، أمثال حامد عويس، جاذبية سري، وجمال السجيني.
وماذا بعد؟
إلى هنا يتوقف الرصد الرصين، ووجهة النظر المتوسلة بحس اجتماعي وقومي عميق، كإطار هذا البحث/الكتاب، وإن كنا نرى الكثير من التحامل على جماعة الفن والحرية، رغم أنها الجماعة الوحيدة التي أنتجت وعياً لم تزل تفتقر إليه الحركة الفنية المصرية، وتحاول بين الحين والآخر أن تستمد قواها من أفكار هذه الجماعة، ولو في صورة غير مباشرة.
أما ما سرده عز الدين نجيب، فهو ينطبق بدرجة أو بأخرى على الحركة الفنية في مصر الآن، أي أنه نتاج الأزمة التي أشار إليها في البداية، منذ مدرسة الفنون الجميلة، ولكن في شكل وأسلوب أكثر فوضى وادعاء ــ بخلاف الجيل الأول الذي لا حيلة له سوى التلقي والانبهار ــ بداية من تغريب وتقليد دون وعي لأساليب غربية حديــــــثة، من حـــــيث اختـــــلاف ظــــروف نشأة هذا التيار أو ذاك في الفن الغربي، وأيضــــاً محاولة الترويج الشرقي لما في مخيلة الجمهور الغربي، أو تكرارات لفنانين استكانوا لنجاح تجربتهم، وارتعبوا من محاولة الابتعاد عنها، وقد أصبح وجودهم مرهوناً بما تم وكان، والأمثلة كثيرة لا تحصى.
………..
الكتاب: «فجر التصوير المصري الحديث»
المؤلف: عز الدين نجيب
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
/الطبعة الثالثة 2017
عدد الصفحات 239 صفحة
المصدر : القدس العربي
