الفنان بهرم حاجو الصرخات لا تُكتم!

 

مَن يحاول تتبّع تجربة الفنان بهرم حاجو منذ مطلع التسعينيات، سيدرك بوضوح حجم الرعب والتمزق وأثر العنف الذي تعاني منه شخصيات اللوحة لديه، وهي دائماً قليلة، لا يتجاوز عددها الاثنين، إلا فيما ندر؛ فكأن حاجو لا يعترف إلا بعذابات الإنسان في وحدته، وسطوة القسوة عليه. إنه وحيد في الفراغ، ولا ضرورة لوجود شهود على ما يحدث له، لأن الشهود في الحقيقة، هم من ينظرون إلى اللوحة، هم الجمهور خارجها، هم العالم؛ وبقدر ما في ذلك من قدرة على توريط المُشاهد، ودفعه لأن يكون شاهداً، بقدر ما تحمل وضعية الداخل: شخوص اللوحة، والخارج: من يُشاهدها، اتهاماً ما للبشر، لأنه يحيلهم إلى متفرّجين، أمام مشاهد تتكرّر، دون أن يحركوا ساكناً.
هل يعاقب بهرم الناس على ما يحدث أمامهم من سحق للكرامة، ولذا يحرمهم، حتى من أن يكونوا صامتين في داخل اللوحة، ولذلك يمحوهم، لأن الصامت لا مكان له، ولا يفعل شيئاً سوى نفي عذابات الآخرين بصمته هذا؛ ولذا، يعمل بهرم على نفيه من اللوحة، وترك المساحة كلها للضحية، لعذابها، ولتكوُّرها على نفسها، أو محاولتها ستر ما لا يُسْتَر.
في لوحات بهرم تستطيع الشخصية، والفنان يساعدها هنا، بطبقات لونية شفافة، أن تستر عورتها، لكن الشخصية، والفنان، ومعهما نحن، يعرفون، أن كل جزء من بقية الجسم هو عورة ما دام الإنسان منتهكا.
في التسعينيات كان اللون عنيفاً، كثيفاً، لا مساحات فارغة في اللوحة، عبر ذلك المزيج اللوني المُتعارِك. ولعل رحلة بهرم من الكثافة العنيفة، الصارخة، إلى الشفافية المجروحة، المسحوقة بوحدتها، وانفراد انتهاكها بها، والفراغ المرعب حولها، هي الإدانة الكبرى لتاريخ عربي وإنساني، تتكاثر فيه الضحايا وتتعدد أشكال سحقها وتتنوع، في وقت يتزايد فيه الفراغ، يتّسع. لكن بهرم حاجو يحرص أول ما يحرص على ألا تذوب الضحية في الفراغ، فحدودها واضحة، والمساحات الشفافة التي تغطي غالباً بعضَ عريها، وهو عُرْيٌ في الوجوه وعري في الأجساد، تجعلها أوضح لنا، كما لو أنه يريد أن يقول للمُشاهد: تستطيع أن تكتم صرخة ضميرك، إلا أنك لا تستطيع أن تخفي عذاب الضحية ومعاناتها، ومهما فعلت فإنك لن تستطيع أن تجعلها مُذوَّبة أو لا مرئية، فهي واضحة تماماً، وليس ثمة صخب لوني أو انفعالي خارجي، يمتدُّ إليها ليحيلها إلى ظلّ، لأن الضحية هنا، هي شمس اللوحة، أما الضبابية والرمادية، والأسود، فهي في هذا العالم المحدّق بها.
من غابة ولِدَتْ رياحُ جُنونِنا
كي نمتطي برقًا ونسْبقَ عقْلَنا.. لقلوبِنا!
لقد عبر الجنون، في رحلة بهرم، حدودَ العقل لكي يصل هذا الفنان إلى مُطْلَقِ قلبه. ولذا، لم يعد ثمة مكان لكتْم الصرخة، حتى أن الشخصية التي تحاول ذلك، تخترق الصرخةُ يدَها التي تُكمم فمَها. من الطبيعي أن تحاول المرأة أو الرجل، هنا، ستْر جزء من أعضائهم، لكن ليس مسموحاً لهم أن يكتموا صرختهم، وأبرز الصرخات هي نظرة الشخصية إلى من معها في اللوحة، لكنها نظرة تخترق جسده لتصيبنا مباشرة.
في أعمال كهذا، تبدو لوحة بهرم مرآة، بشكل من الأشكال، لأن الضحية في اللوحة، هي صورةٌ لمن يقف لكي يتأمّلها، ودعوة له لرفع يده عن فمه، وهي تحذيرٌ، لأن الصرخات لا يمكن لأحد أن يكتمها، فكلما كتمَها مزَّقته أكثر.
من أبرز الرموز القليلة التي ظهرت في لوحات بهرم، كانت الكوفية، أو الحطّة، ففي ظهورها داخل اللوحة كان الفنان يتجاوز الإشارة العامة لعذابات البشر، إلى عذابات محددة، ومن بينها الفلسطينية والعربية. لكن أعمال بهرم كلها سيرة داخلية بالغة القوة، يرويها اللون بتقشفه، سيرة لبهرم نفسه؛ ومن يعرفه، يعرف أنه في كل لوحة من لوحاته. ليس قلبه وفنه ومشاعره وعذاباته وقلقه ورؤاه في داخلها، فحسب، بل هو كتشكيل أيضاً..

٭ ٭ ٭

في هذا المعرض تبدو ظاهرة الانتهاك، متجاوزة لحال المرأة، وحدها، كرمز شائع، وهكذا يصل الانتهاك إلى الرجل، بعد أن ملَّ الفنان إدارة هذا الرجل ظهره لنا، وربما تكون هذه هي أوضح صورة للرجل مُنتَهكاً،عبّرت عنها أعمال الفنان، فذلك الدم الذي نراه ما بعد انتهاك المرأة، لوناً قانياً أو قوياً، أو معنوياً متمثلاً في الضياع، يمتد إلى الرجل هذه المرة، ويصيبه حيث يصيب المرأة، وإن كان اللون الأحمر يلطخ جسد المرأة عادة، فإن اللون الأسود بشكل خاص، والألوان الداكنة، هي ما يلطخ جسد الرجل، ويمحو أشدّ أجزائه حساسية ويسحقها.
لم يعد ثمة ناجون في لوحات هذا المعرض، فكأن الفرصة التي منحها بهرم للرجل، بشكل خاص، أن يتحرّك، قد انتهت! فألقى به في جوف جحيم المرأة الشفافة المنتهكة، المرأة الحقيقة، والتي هي أوسع من الرمز دائماً، ولذا كان لا بدّ من أن يتلطخ الرجل بالدم، لا بدم ضحيته، أو وليفته، بعد أن صمتَ، بل بدمه هو، وأن يكون ضحية بذاته، لاغيا الفنان، بهذا، الفرق المادي بين انتهاك الرجل وانتهاك المرأة، بين الأنوثة والرجولة.
في هذه التجربة كلنا منتهكون، وعُرْيُنا يفضح كل شيء، يفضح آثار البساطير على ظهورنا، والتكوّر في أجسادنا، الإذلال الذي يحاول محوَ نظراتنا، وأفواهنا، والدم الذي يُغطي أجزاء منا، وهو دم، حين لا يظهر حيث تَفتَرضُ الطبيعةُ أن يظهر، نراه يُغطي مساحات من رؤوسنا، أو أطرافنا، أو وجوهنا.
في هذه اللوحات هناك: الانتهاك الجسدي، الانتهاك بالعجز، بفقدان الحرية، الانتهاك بالعزلة، بالحشر في الزوايا، الانتهاك في نظرة المرأة للرجل، ونظرته إليها إن تجرأ وفعل، والانتهاك بتلك العيون التي تحدِّق في الرجل والمرأة، أي نحن الذين نُشاهد اللوحات.
إن السؤال الوحيد الذي يثقب العقل حين يقف المرء ليحدّق في لوحات بهرم، هو: كيف تُواصِلُ صمتَكَ وكل هذا يحدث أمامك؟!
بهرم حاجو، فنان عالمي كبير، بالغ الكثافة والغنى، ونموذج استثنائي لقدرة الفنان العربي على أن يكون مُتفرِّدا، وصاحب هوية إبداعية، تشكل إضافة فريدة للفن العربي والعالمي في آن.

قد يعجبك ايضا