الشاعرة اللبنانية ‘‘نسرين كمال’’: الشعريّة تكمن في تلك اللعبة الواقعة بين الوضوح والغموض

حاورها : مصطفى حمودة

الشاعرة اللبنانية ‘‘نسرين كمال’’، امرأة وجودية. وما أن تقرأ قصائدها حتى يتبدى لك ذلك جلياً. هي في بحث دائمٍ ومستمرٍ عن تعريف ذاتها، ورغم مساعيها تعجز عن الوصول. فالأمر بالنسبة لها ليس هيناً، بل مربك للغاية. ليس قصورا في اللغة وصعوبة في وصف الحال وتفسيره، وهي التي تملك حسّا فلسفيا وخيالا جامحا تتضافر اللغة لوصف معناه بتجرد وعقلانية، لكنه العمق الذي كلما جئت تصفه اكتشفت أنك لم تصف إلا جانبا من جوانبه.

لمِست في صاحبة ديواني ‘‘لأني لم أكن’’ ‘‘صور الوحدة’’  عمقا إنسانيا يعزز من رصيدها الإبداعي، فهي وإن ترى للحياة بوصفها اكتشافا للذات، فهي تقرن كل فعلٍ يفترض أن تقوم به بالمساهمة في البناء الإنساني.

كان لنا مع الشاعرة اللبنانية الحوار التالي:

* ما هي رؤيتك للشعر، الحياة والعالم؟

يربكني دوماً التعريف عن نفسي لأني أتعرّف عليها باستمرار، ولكني إن حاولت اختزال نفسي بكلمة فقد أقول: امرأة وجودية.

الحياة بالنسبة لي اكتشاف للذات ومساهمة في بناء إنساني. أنت حرّ أنما بشرط ألا تمّس حرية الآخرين، هذه الحرية التي تحتضن في صميمها  الشعرية. شعرية الحياة، الجمال، الزخم، النبض، والتي نندفع للتعبير عنها بكل الطرق والفنون الممكنة. وجودنا قصير وملتبس، ولا شيء يقنعني سوى التضافر البشري الواعي لتجميل هذا الوجود.

* من وجهة نظرك.. من هو المثقف؟ وما هي وظيفته؟

هذا سؤال كبير..

حسناً لقد تباينت الآراء حول تعريف المثقف، ولكني أميل بشدّة لرأي المفكر إدوارد سعيد الذي يميٌز المثقف بتحلّيه بالشجاعة لمواجهة الأفكار التقليدية والآيديولوجيات المتحجرة، في سبيل تحرير الإنسان، مع العلم أنه يتٌفق بمكان ما مع غرامشي في توسيع دائرة المثقفين إلى كل من ينتج المعرفة بطريقه ما.

أما عن الدور الذي يقوم به المثقفون في عالمنا العربي فليس من السهل وصفه، لأن المثقفين أصناف مختلفة؛ تبدأ من الذين يقدّمون حياتهم في سبيل قضية، وتنتهي عند الذين ينسون القضايا في خضم المغريات أو التسهيلات التي يقدمها العصر الاستهلاكي.

* هل تعتقدين أنه يقوم بدوره كما ينبغي؟

أعتقد بأن القلّة تفعل أو تحاول قدر المستطاع، لأن الفرد غير قادر على مواجهة تراكمات فكرية متيبسة، وآيديولوجيات راكدة، دفعة واحده، وفي ظل أشكال القمع.

* ما هي الينابيع التي تغذّي عالمك الشعري وأكسبتك شخصيتك في الكتابة؟

الحياة بكلّيتها، التجربة الذاتيّة، إضافة للقراءات المتنوّعة. وأعتقد بأن الشاعرة والشاعر لديهما دوماً ما يقولانه، إنما يحتاجان للاختمار والنضج كي تتّضح الرؤى وتتبلور بالمضمون-الشكل الذي يعكس الفرادة، وليس “الأنا” القشرية.

* يقول الشاعر الإيطالي”جوزيب انفرتي” في القصيدة يجب علينا أن نقدّم الغموض بوضوح!. ما رأيك؟ وأين قصيدتك من الغموض والوضوح؟ ألا تعتقدين أنها غامضة نوعا ما!.

 بطريقة ما، الكتابة الشعرية هي محاولة التقاط لحظة منزلقة، واكتناه معنى موارب، فكيف نستطيع أن نعكس الملتبس بلغة واضحة تماما!، (هذا إذا اتّفقنا على فكرة ثبات الدّال والمدلول وهي فكرة مستحيلة).

حين رسم ‘‘بيكاسو’’ حالة البكاء مثلاً، هل كانت صورة وجه واقعي يبكي بكافية؟. لا أعتقد ذلك. أما في الشعر، فمن الصعب أن تَقدِر اللغة باستعمالاتها المألوفة أن تعكس حالة نفسية خاصة، ولكنه من المستحيل أيضاً خلق لغة جديدة تماماً، وتدمير كل التداعيات المألوفة، لأننا حينذاك، نكون كمن يرقص في دائرته المغلقة، ولا أحد يسمع إيقاعه.

أظنّ بأن الشعرية تكمن في تلك اللعبة الواقعة بين الوضوح والغموض: تقديم الغامض الذي يترك للقارئ المفتاح. وهو ما أظنني أفعله في الكتابة ولا أعلم، ربما للقرّاء آراء أخرى.

* في ثلاثينات القرن الماضي أطلق ‘‘أندريه جيد’’ مقولته عن نهاية الشعر ومن بعده يتنبأ ‘‘هنري ميللر’’ بموت الآداب عامة. هل تقول نسرين كمال بموت الشعر في ظل هذا العالم التقني المادي؟

الفن موجود بوجودنا الإنساني واغترابنا الدائم في هذا الكوكب، وإذا اعتبرنا أن الشعرية هي الزخم الكامن في كل فن، فكيف لها أن تموت؟

وإذا كان الشعر هو التعبير اللغوي الغامض والمكثف والمتوتّر، فهل من المعقول أن يموت هذا التعبير دون زوال اللغات الإنسانية؟

ربما تختفي أشكال، وتحلّ محلها أشكال مختلفة، وربما يتضاءل الاهتمام ببعضها نتيجة امتصاص الجو الاستهلاكي والتقنيّ لطاقاتنا الخلاقة، إنما الشعر باقٍ ببقاء الإنسان.. فهل سيموت الإنسان؟

دعنا نتأمّل أن يكون هذا السؤال ترف فكري فقط.

* من وجهة نظرك.. هل ما زالت بيروت عاصمة للأدب والثقافة، أم ترين إنها فقدت هذه الصفة لحساب مدينة أخرى؟

لا أعلم من يمكنه تقييم ذلك.. بيروت لا تزال في وجدان الجميع رمزاً للحرية الفكرية والإنبثاقات الأدبية والفنيّة، لكن لا يمكنني أن أقول بأن بيروت تسطع ثقافياً في جو الانقسامات والانتهازية والسيطرة الخارجية الضمنيّة، وحالة ضياع الهويّة. بيروت أيضاً تسقط في فخ الاستهلاك والتشرذم. ولعلّنا نستعيدها مجدداً، لأنه ثمة مبدعون ومبدعات، وثمة من لا يزال يعمل بشفافية ووطنية.

* الأزمات التي تمرّ بها المنطقة العربية، هل هي نتاج فشل ثقافي بالأساس؟

هي نتاج قلة وعي وعدم تقدير للذات الجماعية أو غلوّ مبالغ فيها، والذي هو نتيجة الاستعمارات المتلاحقة على أنواعها، ونتيجة التربية التي تعلي من شأن الدين والطائفة على حساب الوطن والخير الجماعي. الثقافة ممارسة وبناء إنسان.

* في منشوراتك بعالم التواصل الاجتماعي نلاحظ ثورة على منظومة المجتمع والدولة.. ما هو الوطن أو العالم الذي تنشدينه؟

 باختصار، الوطن العلماني الذي يحترم الحرّيات الفردية والذي تسوده العدالة بين المواطنين.

* ما هي أفضل قصيدة قمت بكتابتها؟

لم أكتبها ولن..

* ما هي الكتب التي تنصحين هؤلاء بقراءتها: المثقف، المسؤول، المواطن..؟

قراءة كل شيء دون أحكام مسبقة، وحبذا لو يقرأ الشعب العربي التاريخ بعيون أخرى.

قد يعجبك ايضا