صاحب “عروس النيل”: أقنعنا السحار بنشر رواية “ثرثرة فوق النيل” وبعنا منها 120 ألف نسخة

شبكة وهج نيوز – عمان : كشف الروائي المصري يحيى مختار حكاية مجهولة جمعته بالكاتبين جمال الغيطاني ونجيب محفوظ.
وقال مختار: “قبل أن أسرد تلك الحكاية أود أن أنوه إلى أن الغيطاني، الذي يرقد في غيبوبة نتمنى أن يعود منها، إنسان جميل ومحب للناس، كافح وجاهد جهاداً صعباً ومريراً حتى يُغيِّر حياته بشكل جذري، من توجه إلى توجه، ومن حال إلى حال، كان متخصصاً في السجاد والنسيج لكن الظرف الذي نشأ فيه، وكان يُشبه إلى حد بعيد الظرف الذي نشأ خلاله محفوظ، جعله يفعل المستحيلات حتى يصير كاتباً مرموقاً”.
تعرف يحيى مختار إلى الغيطاني، أو على الأقل كان يراه، في ندوة أديب نوبل، التي كان يقيمها في “كازينو صفية” بميدان الأوبرا في الستينيات، كانا يعرفان وجهي بعضهما، غير أن العلاقة ستتأخر قليلاً، وكان قطبهما الجاذب هو محفوظ، الذي كان يسأل خلال تلك الفترة دائماً عن أخبار “محمود أمين سليمان” سفاح الإسكندرية، كان مهتماً بذلك السفاح وجرائمه، وفوجئ الاثنان، مختار والغيطاني، بصدور “اللص والكلاب” التي تروي سيرة ذلك السفاح.
الرئيس السادات حاول مواجهة الفكر الاشتراكي، فعمد إلى تعيين عدد من الموظفين في الجرائد القومية، حتى يتمكن من إلحاقهم بنقابة الصحفيين، وكان من ضمنهم أمين محمد عدلي، الذي صار رئيساً لتحرير كتاب أخبار اليوم، وبالطبع لم يكن خبيراً بالأدب، ولا بالكتابة، وهكذا طلب من يحيى مختار أن يتحول إلى رئيس لتحرير السلسلة من الباطن، كان يطلب منه قراءة الأعمال التي ترد إليهم، والموافقة على نشرها أو رفضها.
يقول مختار: “كنت مقرر لجنة القراءة، والفرد الوحيد فيها، وطلبت من عدلي أن يفتح لي باب الإعلانات في أخبار اليوم حتى يعرف القراء بإصداراتنا ووافق على الفور، وكنت في هذا التوقيت أحضر مع الغيطاني ندوات نجيب محفوظ في عوامة فرح بوت وفي مقهى الحسين”.
هكذا تحدث محفوظ
حسنٌ، طرأت فكرة على ذهن مختار، لماذا لا ينشر رواية لمحفوظ؟ يمكنه أن يطلب مساعدة الغيطاني في إقناع محفوظ. ولكن.. كان الأمر يبدو مستحيلاً، فحسب الغيطاني، لو وافق محفوظ نفسه فلن يوافق الناشر الحصري له، جودة السحار، كان الأمر صعباً، ولكن “يستحق المحاولة”، على حد تعبير مختار.
وافق الغيطاني على مضض، وذهبا إلى محفوظ وقال الغيطاني: “صديقي يحيى مختار يريد أن ينشر لك في أخبار اليوم. ما رأيك يا أستاذ؟”، محفوظ رد باقتضاب: “مستحيل، السحار لن يوافق”، وعاجله مختار بالرد: “اتركه لي.. سأقنعه”.
اتجه مختار إلى السحار، وبالطبع وجد في مواجهته جداراً أسمنتياً، ولكنه لم ييأس، وكان السحار لا يطبع من أي عمل لمحفوظ سوى ثلاثة آلاف نسخة، وعده بحملة إعلانية ضخمة في “أخبار اليوم” لجميع إصداراته، هنا فكر السحار قليلاً، قبل أن يوافق، وهكذا حصل مختار على ما يريد.
هرول إلى جمال ليزف له النبأ، وبالتالي نقل جمال الخبر إلى محفوظ، ويعلق مختار: “كانت لحظة رائعة، قررت طبع 120 ألف نسخة من روايته (ثرثرة فوق النيل)، 20 ألفاً للعالم العربي، و100 ألف داخل مصر، وبعد صدور الرواية، جاءني رئيس التحرير ليصرخ في وجهي: بالتأكيد أنت مجنون، سيحاكموننا! ما كل هذه النسخ؟”.
وجاء الرد لرئيس التحرير خلال أربعة أيام، الـ 100 ألف الخاصة بمصر نفدت بالكامل، والـ20 ألفاً الخاصة بالعالم العربي في طريقها إلى النفاد، “كان أمراً مبهراً، ولكنني توقعته”، يقول مختار مضيفاً: “أخذت شيك محفوظ واتجهت إليه في غروبي، وكان يأكل قطعة غاتوه على مهل، ونظر فيه، وظهرت على ملامحه علامات الذهول، وقال ضاحكاً وبسخريته المعهودة: يا نهار أبيض.. كل ده؟ أنت ستنقلني إلى شريحة أخرى في الضرائب، وطلب مني تأجيله إلى يناير(كانون الثاني)، وبالفعل عدت بالشيك، كان لا بد أن أنفذ كلام الأستاذ”.
رد الجميل
بعدها ذهب مختار إلى الغيطاني ليقول له: “أنت لا بد أن تنشر في السلسلة”، فقال الغيطاني: “أليس صعباً؟! فعلاً؟!”، قلت له “أنت كاتب كبير”، المهم نشر مختار مجموعة الغيطاني “أحراش المدينة”، وطبع منها 50 ألف نسخة، نفدت منها 45 ألف نسخة في غضون أسبوع، وكان الأمر في قمة السعادة لصاحب “الزيني بركات”.
سافر يحيى مختار بعدها إلى البحرين ليعمل في جريدة “الأيام”، واستمرت علاقته بالغيطاني من خلال التليفون والبريد، واتصل به الغيطاني ليخبره مرة بأنه أصبح مشرفاً على صفحة الثقافة بأخبار اليوم، ثم زف إليه نبأ قرب إصدار جريدة ثقافية كبرى اسمها “أخبار الأدب”، وحان الوقت الذي يرد فيه الغيطاني الجميل لصديقه، فقال له: “أريد منك (عروس النيل)، أنت كتبتها عام 1970، وليس من المعقول أن تركنها في الأدراج كل هذا الوقت”، يقول مختار: “لم أشأ أن أنشرها أثناء فترة رئاستي لتحرير السلسة، لست من هذا النوع الذي ينشر لنفسه، ولو عاد بي الزمن لما فعلت ذلك، وبعد نشرها حصلت بها على جائزة الدولة التشجيعية، ومن أبلغني كان الغيطاني، اتصل بي في البحرين ليخبرني، وسألني: هل عرفت الآن أنك كنت تظلم نفسك، كان هذا هو جمال الغيطاني صديقي العظيم”.

قد يعجبك ايضا