قاسم محمد.. أستاذ المسرح العربي..
أحمد الماجد
أول فنان عربي إعتلى خشبة المسرح الروسي
لم يكن يبحث عن الشهرة أو المال قدر بحثه عن منطقة يمارس فيها شغفه المسرحي بحرية
في ليلة من ليالي العام 1934 وفي إحدى أزقة بغداد الأزل، جاء قاسم محمد ومعه ولد تاريخ جديد للمسرح العراقي، إلتحق بعوالم المسرح منذ ريعان الصبا في معهد الفنون الجميلة ببغداد في العام 1955، وتتلمذ على أيدي مؤسسي المسرح العراقي من أمثال حقي الشبلي وجاسم العبودي وإبراهيم جلال.
ومن تقاسيم القدر، أن ينضم قاسم إلى فرقة المسرح الفني الحديث في العام 1960، حيث كان ذلك العام عام القفزة الجريئة الواسعة نحو المسرح، فقدم أعمالاً اتخذت طابع التجريب قلبت كل الأشكال والأنماط السائدة في ذلك الوقت في المسرح العراقي، وأسست لمشهد مسرحي عراقي وعربي مغاير قبل أن يغادر لدراسة المسرح في موسكو. قدم قاسم محمد عروضا هناك ممثلا أثناء دراسته في معهد الفن المسرحي “غيتيس″ في بداية ستينيات القرن المنصرم، إذ صفق الجمهور الروسي طويلا للشاب قاسم على مسرح “موسوفيت” عن دوره في مسرحية “الهروب” لميخائيل بولغاكوف، وهو بذلك يعتبر أول فنان عربي إعتلى خشبة المسرح الروسي.
وبعد عودته من موسكو في العام 1971 محملا بطموحات فنية مسرحية كبيرة بدا أن المضمون السياسي الإنساني والاجتماعي هو الذي شغل تفكير ذلك الشاب، ساعده على ذلك ما أتاحه المناخ الثقافي والسياسي المحلي السائد في العالم العربي آنذاك، والمنفتح على اليسار العالمي وأفكاره ومناهجه المتنوعة في مستهل عقد السبعينات.
يعد قاسم محمد من المخرجين المجددين في المشهد المسرحي العراقي والعربي، إذ تركزت اشتغالاته في المسرح على استلهام التراث الشفاهي للذاكرة الجماعية العراقية، عبر التركيز على التجريب من خلال استيحاء الطقوس عبر رؤى بصرية، والتركيز على الممثل من خلال إعداده عبر التمارين والتدريبات.
قدم قاسم محمد أعمالا مسرحية خالدة للمسرح مخرجاً: مسرحية “النخلة والجيران” 1969، ومسرحية “أنا ضمير المتكلم”، ومسرحية “بغداد الأول بين الجد والهزل” 1974، و”الخرابة”، ومسرحية “شيرين وفرهاد”، ومسرحية “اضواء على حياة يومية”، ومسرحية “ولاية بعير”، ومسرحية “نجمة”، ومسرحية “كان يا ما كان” 1977، ومسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر” 1987، ومسرحية “آباء للبيع أو للإيجار”، ومسرحية “تموز يقرع الناقوس″، ومسرحية “شعيط ومعيط وجرار الخيط”، ومسرحية “شلون والويش والمن”، ومسرحية “طير السعد”، ومسرحية “الشريعة”، ومسرحية “العودة”، 1986،و مسرحية “الباب” 1987، ومسرحية “الحلم”، ومسرحية “الصبي الخشبي” وغيرها.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديدا إمارة الشارقة مستقر الراحل منذ العام 1997، أشرف على العديد من الورش المسرحية ونظم الكثير من الندوات والملتقيات الفكرية من خلال وظيفته كخبير في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، إذ أنه كان وفيا لمشروعه المسرحي الذي جاء من أجله فقاسم لم يكن يبحث عن الشهرة أو المال، قدر بحثه عن منطقة يمارس فيها شغفه المسرحي بحرية، فأخرج عددا من الأعمال المسرحية المهمة مع هذا المسرح، منها أعمالا كتبها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهي “عودة هولاكو” 1998، و”القضية” 2000، و”الواقع صورة طبق الأصل” 2001، كما قدم مع ذات المسرح، مسرحية “حظوظ حنظلة الحنظلي” 2000 والتي حاز فيها على جائزة أفضل إخراج في أيام الشارقة المسرحية، ومسرحية “حمدوس″ 2004 والتي نالت جائزة أفضل عرض في ذات المهرجان، وكذلك مسرحية “حكايات من أزقة العالم الثالث” في العام 2005 وغيرها، وبعد هذا العمل آخر عمل يخرجه قاسم محمد للمسرح.
وفي التمثيل أيضا كان للراحل نصيب، فمثل في المسرح: “بغداد الأزل بين الجد والهزل”، و “الخان”، و”البيك والسايق”، و”القربان”، وأيضا شارك ممثلا في السينما والتلفزيون، في فيلم “الرأس″، وفيلم “عرس عراقي”، ومسلسل “عنفوان الأشياء”، ومسلسل “إيمان”، ومسلسل “إنفلونزا”، ومسلسل “رجال الظل”.
حاز قاسم محمد على العديد من الجوائز والتكريمات في مسيرته الفنية الغنية بالمنجزات، أهمها: جائزة أفضل مخرج في مهرجان قرطاج بتونس في العام 1987 عن مسرحية “الباب” ليوسف الصايغ، وجائز أفضل سنوغرافيا في قرطاج أيضا في العام 1993، وجائزة تكريمية في نفس المهرجان في العام 1993، وكذلك جائزة التكريم من الملتقى العلمي الأول للمسرح العربي بالقاهرة في العام 1994، كما نال جائزتين في مهرجان أيام الشارقة المسرحية كأفضل فنان عربي عن أعمال شارك فيها مخرجا في المهرجان، وكذلك جائزة من مهرجان القاهرة في العام 2004 عن مسرحية “رسالة الطير”، وجائز الأبداع من قناة الشرقية الفضائية، وكذلك تم تكريمه من دائرة الثقافة والإعلام بإمارة عجمان في العام 2008 كشخصية العام الثقافية.
في تجارب قاسم محمد إصرار على التجاوز والتخطي، إذ نشاهد اختلافا ما بين تجربة وأخرى وأحيانا نقلة نوعية حقا، وعلى الرغم من تباين الموضوعات التي تناولها وتنوع مصادرها ومرجعياتها، لكننا نجد فيها قاسما مشتركا تجلى في إشارات واضحة تظهر مرة في البحث عن شكل جديد للعرض وأخرى في بناء وتركيب الشخصيات وثالثة في طبيعة الموضوعات التي عالجها ومصادرها وتنوع مرجعياتها الفكرية.
يعتبر قاسم محمد، شخصية المخرج قديمة قدم الإخراج نفسه وهي موغلة في القدم ترجع الى تلك الحقب التي ظهر فيها هذا الشخص متميزا عن بقية أعضاء الفريق باستيعابه الطاقات المختلفة والمكوّنة للعرض والمسيّرة لأنساقه الحركية على وفق مدرك خاص بغية الوصول الى هدف محدد هو الحصول على تأثير فني محدد.
صدرت لقاسم العديد من النصوص والدراسات المسرحية، وترأس العديد من لجان التحكيم في المهرجانات المسرحية العربية، قبل أن يغادر خشبة المسرح والحياة في السادس من أبريل/نيسان 2009 إثر مرض عضال، ونقل جثمانه إلى بغداد حيث دفن فيها.
العراق
