فادي السمردلي يكتب: انضمام الأردن لمبادرة المياه للمستقبل دعم دولي لتسريع أكبر مشروع مائي في المملكة

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

يمثل انضمام الأردن إلى مبادرة “المياه للمستقبل” التي يقودها البنك الدولي خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز الأمن المائي في ظل تحديات متزايدة تتعلق بشح الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على المياه، ويأتي هذا الانضمام في توقيت حاسم يتزامن مع دخول المملكة مرحلة التنفيذ الفعلي لمشاريع مائية كبرى، في مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يُعد المشروع الأكثر طموحًا في تاريخ قطاع المياه الأردني، ويشكل الركيزة الأساسية في رؤية الدولة لضمان إمدادات مائية مستقرة ومستدامة خلال العقود المقبلة.

يُصنف الأردن ضمن الدول الأكثر فقرًا بالمياه عالميًا، حيث يعاني من محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع مستويات الطلب نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والتغيرات المناخية التي أدت إلى تراجع معدلات الهطول المطري وتزايد فترات الجفاف، كما يعتمد القطاع المائي بشكل كبير على المياه الجوفية التي تتعرض للاستنزاف التدريجي، الأمر الذي جعل ملف المياه قضية استراتيجية ترتبط بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ودفع الحكومة إلى البحث عن شراكات دولية قادرة على دعم جهودها في تطوير البنية التحتية المائية وتعزيز كفاءة إدارة الموارد.

تأتي أهمية مبادرة “المياه للمستقبل” في كونها منصة دولية متخصصة أطلقها البنك الدولي بالتعاون مع شركاء دوليين لدعم الدول التي تواجه تحديات مائية حادة، وتهدف المبادرة إلى توفير حزم تمويلية مرنة، وخبرات فنية متقدمة، وآليات دعم مؤسسي تساعد الحكومات على تنفيذ مشاريع مائية استراتيجية بكفاءة عالية ولا يقتصر دور المبادرة على تقديم التمويل، بل يمتد ليشمل تطوير السياسات العامة، وتعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة قطاع المياه، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية، وتقليل الفاقد في شبكات التوزيع، إضافة إلى دعم التحول نحو تقنيات حديثة في التحلية وإعادة الاستخدام وإدارة الطلب على المياه وكما تسهم المبادرة في بناء قدرات الكوادر الوطنية وتعزيز التخطيط طويل الأمد، وهو ما يجعلها أداة مهمة لتحقيق الاستدامة المائية وتعزيز الثقة الدولية في قدرة الدول المشاركة على تنفيذ مشاريع كبرى بكفاءة واستمرارية.

في هذا السياق، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه بوصفه المشروع المحوري الذي يعول عليه الأردن لتحقيق تحول نوعي في إدارة الموارد المائية، ويقوم المشروع على تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها عبر شبكة أنابيب تمتد مئات الكيلومترات إلى المحافظات الرئيسية، مما يوفر مصدرًا جديدًا ومستدامًا للمياه ويقلل الاعتماد على المصادر التقليدية التي أصبحت محدودة وغير كافية لتلبية الطلب المتزايد، ومن المتوقع أن يسهم المشروع عند اكتماله في توفير كميات كبيرة من المياه سنويًا، الأمر الذي سيؤدي إلى تحسين مستوى الخدمة وتقليل الضغط على المصادر الجوفية وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة فترات الجفاف والتقلبات المناخية.

إن العلاقة بين مبادرة “المياه للمستقبل” ومشروع الناقل الوطني علاقة تكاملية، حيث توفر المبادرة الإطار المالي والفني والمؤسسي الذي يدعم تنفيذ المشروع ويعزز فرص نجاحه، فالمشاريع المائية الكبرى تتطلب استثمارات ضخمة وخبرات تقنية متقدمة وآليات تمويل طويلة الأجل، وهو ما تسعى المبادرة إلى توفيره من خلال حشد الموارد الدولية وتقديم الدعم الفني للحكومات، كما تساعد في تسريع الإجراءات التنظيمية وتحسين كفاءة التنفيذ وتقليل المخاطر المالية، مما ينعكس إيجابًا على سرعة إنجاز المشروع واستدامته.

ويمتد أثر هذه الشراكات إلى الاقتصاد الوطني بشكل عام، إذ تسهم مشاريع البنية التحتية المائية في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة وتنشيط قطاعات الإنشاءات والصناعة والخدمات، كما أن توفر المياه بشكل مستقر يعد عاملًا أساسيًا في دعم الاستثمار وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر على المياه مثل الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة، ومن المتوقع أن يؤدي تحسن الأمن المائي إلى تقليل الكلف الاقتصادية المرتبطة بنقص المياه وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

أما على مستوى المواطن، فإن التأثير المباشر لهذه المبادرات والمشاريع يتمثل في تحسين انتظام تزويد المياه وتقليل فترات الانقطاع، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعًا في الطلب، ورغم أن نتائج هذه المشاريع لن تظهر بشكل فوري، فإن المؤشرات تشير إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تحسنًا تدريجيًا في مستوى الخدمة، مع زيادة كميات المياه المتاحة وتحسن كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد، مما يعني شعور المواطن بفرق ملموس في عدد أيام الضخ واستقرار الإمدادات وجودة الخدمة.

في المحصلة، يمثل انضمام الأردن إلى مبادرة “المياه للمستقبل” خطوة استراتيجية ضمن رؤية شاملة تهدف إلى الانتقال من إدارة أزمة المياه إلى بناء منظومة مائية مستدامة تعتمد على مصادر متنوعة وتقنيات حديثة وشراكات دولية فاعلة، ومع استمرار تنفيذ مشروع الناقل الوطني وتوسيع نطاق الإصلاحات في قطاع المياه، يتجه الأردن نحو مرحلة جديدة من الاستقرار المائي تضع الأساس لتحقيق أمن مائي طويل الأمد يدعم التنمية الاقتصادية ويحسن جودة الحياة للمواطنين في مختلف مناطق البلاد.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا