عام الاكتتابات الأولية الفاشلة يصيب لندن بالإحباط
ينشغل المستثمرون في المملكة المتحدة بعدد من الأسئلة المهمة يأتي في مقدمها وضع سوق الاكتتابات العامة الأولية خلال عام 2017 الذي شارف على نهايته.
فهل كانت السوق البريطانية فعلا معتلة إلى حد كبير، أم أن الأمر فقط هو أن الشركات الخطأ تحاول الاكتتاب في لندن؟ في وقت سابق هذا الشهر تم وضع تعويم آخر على الرف في اللحظة الأخيرة – “كابوت”، شركة تحصيل ديون بريطانية مدعومة بالأسهم الخاصة، قالت “إن ظروف السوق الصعبة أحبطت رغبتها في الانضمام إلى بورصة لندن”.
كابوت، المملوكة لـ “أنكور كابيتال” و”جيه سي فلاورز”، قالت إنها “ستُعيد النظر في عملية الاكتتاب العام الأولي عندما تُصبح ظروف السوق أكثر دعماً”. هذه الخطوة تبعت شطب أو إعادة تسعير كثير من عمليات الاكتتاب العامة الأولية البريطانية الأخرى التي كانت مقررة في الأشهر الأخيرة، من بينها عملية الاكتتاب العام الأولي لـ “أركيفا”، شركة أعمدة الاتصالات، التي تلوم ظروف السوق على سحب اكتتابها.
بالتالي هل يعني هذا الفيض من الإخفاقات أن سوق الاكتتابات العامة الأولية البريطانية مغلقة هذا العام؟ أولاً، الفكرة التي تنشرها هذه الشركات عن أن ظروف السوق سيئة هي فكرة مُثيرة للضحك.
صحيح أن مؤشر فاينانشيال تايمز 100 لم يرتفع كثيراً هذا العام حتى تاريخه، لكن التقلب كان منخفضاً. والطلب على الأسهم يبقى قوياً. وإصدارات سوق رأسمال الأسهم عبر أوروبا كانت قوية هذا العام. ووفقاً لشركة ديلوجيك، تم جمع أكثر من 35 مليار دولار في عمليات الاكتتاب الجديدة.
في حين إن درجة معينة من عدم اليقين بشأن “خروج بريطانيا” ربما تلقي بظلالها على مشاعر المستثمرين بشأن عمليات الاكتتاب البريطانية الجديدة، إلا أن ما يُشير إليه هذا النشاط القوي في أوروبا ككل هو أن المستثمرين لا يزالون منفتحين أمام شراء عمليات الاكتتاب العام الأولية. عمليات الاكتتاب العام الفاشلة في لندن لا تعني أن السوق مغلقة أمام الجميع، كل ما في الأمر أن الشركات الخطأ كانت تحاول بيع نفسها بأسعار خطأ.
السؤال الثاني الذي يشغل المستثمرين هو ما إذا كان المد قد تحول لمصلحة الذين يشترون عند هبوط الأسعار؟
التداولات في الآونة الأخيرة كانت مليئة بأوجه التقابل، حيث أدت ضغوط بيع مبكر في الأسواق الناشئة وديون مرتبطة بالسندات الخطرة إلى اجتذاب مشترين. وفي عام تم فيه كسب المال بفعل كثير من الاستراتيجيات، ليس من المستغرب مع اقتراب عيد الشكر أن جني المكاسب الكبيرة هو السمة المميزة إلى حد كبير لهذا الشهر حتى الآن ـ آخر هبوط كبير شهدته أسواق الأسهم كان في آب (أغسطس).
يقول محللون في مصرف كريدي أجريكول “الأسبوع المقبل ينبغي أن يعطي بعض الراحة للمستثمرين في الوقت الذي تكون فيه الروزنامة الاقتصادية والسياسية خفيفة، بينما تعطي عطلة عيد الشكر في الولايات المتحدة الأسواق فسحة للتفكير”.
فيما وراء ذلك، يواجه المستثمرون قضايا يمكن أن تصبح أكثر إلحاحا بمجرد أن ينطلق عام 2018. علامات النمو البطيء في الصين، ومزيد من الضغوط على نظامها المالي المدفوع بالديون، تلوح في الأفق باعتبارها محركا لا يستهان به لتقلب يمكن أن تطول آثاره قطاع السلع الأساسية العالمي.
الموجة الأخيرة من البيع في السندات ذات العوائد العالية في الولايات المتحدة تشير إلى قدر كبير من التوتر بشأن السندات، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى تقييمات الأسهم التي تحلق في عنان السماء. وفي الواقع، منحنى العوائد على سندات الحكومة الأمريكية لا يكاد يبعث على الاطمئنان بشأن آفاق الاقتصاد، بسبب اتجاهه نحو الاستواء – ولأن الفرق بين العوائد على السندات لأجل سنتين والسندات لأجل عشر سنوات هو في الوقت الحاضر عند أضيق هامش له منذ عام 2007.
لكن رغم جميع مشاعر الخوف في بعض الدوائر حول الرسالة الآتية من استواء منحنى العوائد، إلا أن أحد المكونات المفقودة هو أننا نشهد الآن علامات قليلة على تشديد الظروف المالية، الذي هو في العادة وسيط يشير إلى الركود. دورة التشديد ذات الوتيرة البطيئة من “الاحتياطي الفيدرالي” التي تتسم بتخفيض مدروس في حجم الميزانية العمومية للبنك المركزي، تعني أن الظروف المالية تظل متراخية لفترة، في الوقت الذي يعمل فيه البنك على الخروج من عصر من الأموال السهلة.
كتب محللون في “بانك أمريكا ميريل لينتش” في مذكرة لهم أن “التحول نحو إدارة منحنى العوائد من قبل البنوك المركزية عمل على إحداث تقليص حاد (في قوتها من حيث إعطاء الإشارات)”، وقالوا أيضا “إن من الأرجح بالنسبة إلى “الاحتياطي الفيدرالي” أن ينظر إلى مستوى العوائد المستوي على أنه علامة على الظروف المالية المواتية للنمو أكثر مما ينظر إليه على أنه تحذير من قدوم الركود الاقتصادي”.
السؤال الأخير هو: هل التراجع في العملات الاسكندنافية أمامه مجال للاستمرار؟
موجات البيع الكبيرة في عملتي النرويج والسويد كانت بارزة في سوق العملات الأجنبية أخيرا، ما تسبب في تدافع المستثمرين لتحديد الأسباب في الوقت الذي يتمتع فيه البَلَدان بنمو اقتصادي قوي.
السبب الواضح الأول كان قوة اليورو. على الرغم من أن الـ “نوكي”، العملة النرويجية والـ “ستوكي”، العملة السويدية، خسرتا 2.5 في المائة من قيمتهما، تمتعت العملة الموحدة بمكاسب في جميع المجالات.
السبب الثاني هو سوق الإسكان التي تنطلق بقوة في كلا البلدين، في الوقت الذي بدأ فيه العرض أخيراً اللحاق بالطلب. بيانات تشرين الأول (أكتوبر) كشفت عن أكبر انخفاض بالمعدل الشهري في أسعار المنازل السويدية منذ تسعة أعوام، الأمر الذي يُهدد الاستهلاك لأن حركة أسعار المنازل تؤثر في الأُسر المثقلة بالديون.
فإذا أضفنا إلى ما تقدم بيانات الناتج المحلي الإجمالي النرويجي المُخيبة للآمال والتضخم الذي كان أدنى من التوقعات في السويد، يبدأ محللو العملات الأجنبية في تعديل توقعاتهم إلى الأدنى. العملات “ستبقى أقل لفترة أطول”، كما يقول فيراج باتيل، من “آي إن جي”. ويشير بنك نومورا إلى أن البنك المركزي السويدي سيُرحب بسوق إسكان هادئة، ويستخدمها عذرا للبقاء مسالماً. لذلك ضعف العملة من المرجح أن يستمر، على الرغم من أن نومورا يعتقد أن موجات البيع الكبيرة تجاوزت الحد. والانتعاش على المدى المتوسط ينبغي أن يكون في أذهان المستثمرين، كما يقول “نومورا” ـ خاصة بالنسبة إلى العملة النرويجية ـ عندما يتحسن التضخم وتنخفض الأسعار إلى مستويات متدنية في سوق الإسكان.
