بداية خجولة للإصلاحات في منطقة اليورو وسط مخاوف ألمانيا من تحمل أعباء أضافية

شبكة وهج نيوز : بعد 15 عاما من اعتماد العملة الموحدة، عاد النقاش في بروكسل والعواصم الأوروبية حول الاجراءات الواجب اتخاذها لتحسين اداء منطقة اليورو.
ومع تحسن الاوضاع الاقتصادية، تسعى بروكسل والدول الاعضاء إلى استخلاص العبر من التقلبات المالية التي كانت أوصلت اليونان إلى حافة الخروج من منطقة اليورو، واثارت شكوكا حول لُحمة هذا الاتحاد النقدي الذي يضم اليوم 19 دولة من الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
كما سيتعين على المؤسسات مواجهة ضعف حماسة قسم من المواطنين القلقين من آثار العولمة والنازعين إلى الانكفاء إلى فضاءاتهم الوطنية.
وبينت تجربة تصويت البريطانيين العام الماضي لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي «بريكسِت» ان شعبا ما يمكنه تماما ان يقطع بالكامل التزامه الأوروبي اذا كان هذا الالتزام لا يرضيه.
وكثف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يريد تجسيد مشروع أوروبي جديد، في الأشهر الأخيرة، من خطاباته الداعية إلى إصلاحات سواء في الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو.
وقال في سبتمبر/أيلول الماضي «إن رهاننا في قلب منطقة اليورو، هو ان نعرف كيف نجعل من هذه المنطقة قوة اقتصادية منافسة للصين والولايات المتحدة، وكيف نحل ما فشلنا فيه منذ عشر سنوات وهو إحداث فرص عمل».
وحسب ارقام «البنك الدولي» فإن الناتج الإجمالي لمنطقة اليورو يلغ 11 ألف و934 مليار دولار في 2016، وهو مساوٍ للناتج الأجمالي للصين (11199 مليار دولار) لكنه بعيد عن ناتج الولايات المتحدة (18624 مليار دولار).
غير ان فكرة إصلاح منطقة اليورو تثير نقاشات متوترة بين الدول المعنية.
فدول الشمال على غرار هولندا وألمانيا، القوة الاقتصادية الأوروبية الأولى، تبدو مترددة في مشاركة ثرواتها مع دول الجنوب على غرار فرنسا وإيطاليا وإسبانيا التي تعتبر ان سياساتها في مجال الميزانية ليست حازمة كفاية.
وتفضل هذه الدول التركيز على إصلاحات تقنية تهدف أساسا إلى ضمان احترام أفضل لقواعد ميثاق الاستقرار الأوروبي (عجز عام دون 3 في المئة من الناتج الإجمالي، ودَين عام دون 60 في المئة من الناتج) وتعتبر ذلك أفضل حماية من أزمات مالية في المستقبل.
وتحاول المفوضية الأوروبية التوصل إلى تسوية، واقترحت في السادس من الشهر الجاري حزمة إجراءات تشمل خصوصا إحداث صندوق نقد أوروبي وإرساء وزارة مالية لمنطقة اليورو. وإثر قمة 15 ديسمبر/كانون الأول الأوروبية لم تغلق المستشارة الألمانية، التي تخوض مفاوضات تشكيل حكومتها، الباب أمام بحث مقترحات الرئيس الفرنسي. وقالت «سنتوصل إلى حل مشترك لأن ذلك ضروري لأوروبا» مشددة على انه «حين نتحلى بالإرادة، نستطيع» القيام بذلك. يريد الرئيس الفرنسي ان يكون بطل الميزانية المستقبلية لمنطقة اليورو التي يراها مهمة وتمثل «عدة نقاط مئوية من الناتج الإجمالي» لمنطقة اليورو.
ويمكن ان تمول هذه الميزانية من خلال «رسوم أوروبية في المجال الرقمي او البيئي» وذلك قبل اعتماد ضريبة أوروبية على الشركات لاحقا.
وفي الشهر الماضي أبدى «عدد مهم» من وزراء مالية دول منطقة اليورو تأييدهم لميزانية تستخدم «كأداة استقرار» في حالة حصول حدث يؤثر بشدة على اقتصاد دولة عضو في منطقة اليورو دون ان يمس باقي الاعضاء (مثل فيضانات كارثية).
بيد ان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر يرى ان اعتماد «خط ميزانية ذات أهمية» ضمن ميزانية الاتحاد الأوروبي سيكون ملائما اكثر.
والتساؤل الرئيسي يظل عن موقف ألمانيا والذي سيرتهن إلى حد كبير إلى شريك ميركل في الحكم.

مخاوف ألمانية

فالاشتراكيون الديموقراطيون يؤيدون مقترحات الرئيس الفرنسي بشأن إرساء ميزانية وأيضا إحداث منصب وزير مالية لمنطقة اليورو.
كما ان حزب ميركل المحافظ لم يغلق تماما الباب امام مقترح ميزانية، لكنه ينتظر تفاصيل كيفية تمويلها ومجالات استخدامها.
ولا ترفض ميركل فكرة وزير مالية أوروبي، لكنها ترى ان دوره يجب ان يكون تطبيق اكثر نجاعة لقواعد مراقبة العجز والدين.
وبعد التجاذب بين «صندوق النقد الدولي» ودول منطقة اليورو بشأن ادارة الازمة اليونانية، اقتنعت الدول الأوروبية وضمنها ألمانيا، شيئا فشيئا بضرورة تدبير أمرهم منفردين في المستقبل وبالتالي إحداث صندوق نقد أوروبي.
وسيشكل هذا الصندوق انطلاقا من الآلية الأوروبية للاستقرار، التي استُحدثت في 2012 بعد أزمة الديون في منطقة اليورو للتمكن من مساعدة دول تعاني صعوبات مالية وتقديم قروض لها.
وقدمت المفوضية الأوروبية في 6 ديسمبر/كانون الأول الجاري مشروع صندوق نقد أوروبي يكون «هيكلا مشتركا» ومسؤولا أمام البرلمان الأوروبي و»تكون لديه ذات القدرة النظرية للإقراض اي نحو 500 مليار يورو».
لكن ألمانيا تبدي قلقا من تراجع نفوذها في الهيكل الجديد. فهي تحظى حاليا ضمن آلية الاستقرار بحقوق تصويت مساوية لمساهمتها في التمويل (27 في المئة) ما يمنحها نفوذا يفوق نفوذها في المؤسسات المشتركة.
ويمكن ان يمنح صندوق النقد الأوروبي المستقبلي دور الضامن للبنوك التي تعاني صعوبات في منطقة اليورو في حال لم تكن الاجراءات المقررة في اطار الاتحاد البنكي الجاري تشكيله، كافية.
ومن بين كافة مشاريع منطقة اليورو يبدو مشروع «الاتحاد البنكي» الذي أطلق في 2014 الأقرب إلى التجسد. وهو يقوم على جعل بنوك منطقة اليورو اكثر متانة وتفادي استغلال اموال دافعي الضرائب في إنقاذ بنوك تعاني صعوبات كما حدث أثناء أزمة الديون.
وتم حتى الآن إرساء أساسين من الأسس الثلاثة المقررة. الأول يشمل الإشراف على البنوك، والثاني مساعدة عند الحاجة للبنوك التي تعاني صعوبات بمال مصدره القطاع البنكي.
في المقابل فإن الأساس الثالث المتمثل في طمأنة عملاء البنوك بفضل ضمان أوروبي للأموال المودعة، يبدو أصعب في التحقيق.
وبعد ان عرضت المفوضية الأوروبية مشروعا أوليا في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، عرضت في أكتوبر/تشرين الاول 2017 مشروعا أقل طموحا آملة تجاوز تردد ألمانيا التي لا تزال قلقة من ان يتحمل المدخرون الألمان صعوبات بنوك دول جنوب أوروبا التي تعتبر أنها تدار بشكل سيء.

منافسة ضريبية مدمرة

وحتى إذا توصلت دول منطقة اليورو إلى التقدم على درب هذه الإصلاحات، فلا تزال هناك ملفات مهمة على طاولة المفاوضات مثل التناغم الضريبي الذي يشمل كافة أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ28.
ويتركز النقاش على الضريبة على الشركات مع تنامي وعي خبراء الاقتصاد والقادة السياسيين للآثار السيئة للمنافسة الضريبية المحتدمة في اتحاد تتحرك في الرساميل والأفراد والسلع بشكل حر.
وبين 1995 و2016 فقد متوسط نسبة الضريبة على الشركات في الاتحاد الأوروبي 14 نقطة مئوية اي تراجع بنسبة 33 في المئة، حسب دراسة لمرصد السياسات الاقتصادية في أوروبا في جامعة ستراسبورغ.
ويتركز الجدل خصوصا حول كبريات شركات الاقتصاد الرقمي الأمريكية («غوغل» و»آبل» و»فيسبوك» و»أمازون»).
وتركز هذه الشركات أرباحها في فروع لها في الدول ذات نسب الضرائب الأقل، مثل إيرلندا ولوكسمبورغ، رغم انها تكسب معظم أرقام معاملاتها من باقي دول الاتحاد الأوروبي.
وحسب المفوضية الأوروبية فإن النسبة الحقيقية للضريبة على الربح لهذه الشركات في الاتحاد الأوروبي هي 9 في المئة فقط في حين تفوق هذه النسبة بالنسبة للشركات التقليدية 20 في المئة.
كما ان المنافسة الضريبية تؤثر أيضا على الاقتصاد التقليدي، كما أظهرته إجراءات بدأتها بروكسل في ديسمبر ضد شركة «إكيا» السويدية للأثاث المنزلي. ويشتبه في ان هذه الشركة العملاقة استفادت من امتيازات لا تستحقها في هولندا حيث تحسب الضرائب «بحساب كل زبون» وعبر التفاوض بين الشركة وإدارة الضرائب.
وكانت شركات أخرى من الاقتصاد التقليدي تعرضت لمحاسبة المفوضية الأوروبية في السابق منها «ستاربكس» في هولاندا و»فيات» في لوكسمبورغ.
وفي اكتوبر 2016 أعادت المفوضية الأوروبية إطلاق مشروع يستهدف إرساء قواعد موحدة لحساب الأرباح لدى الشركات.
ومع هذا النظام الذي سيكون إجباريا للشركات التي يفوق رقم معاملاتها 750 مليون يورو، تبقى الدول حرة في تحديد نسبة الضريبة، لكن يتعين ان تحدد جميعها بالطريقة ذاتها احتساب قاعدة الضريبة.
ولن يكون هناك إلا مكان واحد لدفع الضريبة، لكن عائدها يقسم لاحقا بين كافة الدول التي تنشط فيها الشركة حسب مستوى نشاطها في كل دولة بدلا من ان يكون حسب نتائج فروعها.
ولازال من المتعين ان تؤيد الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي هذا المشروع.

لكن داخل الاتحاد عادة ما يكون كل إصلاح ضريبي صعبا لأنه يحتاج إلى إجماع الدول الاعضاء الـ28.

المصدر : أ ف ب

قد يعجبك ايضا