رعشة الدّالية
أنوار الأنوار
أجفلَنا فتورُ الدهشة من عودة حبيبٍ كانت خطاه يومًا موسيقى الحياة. وقف عند العتبة واثقَ الشموخ، ورُحنا بخشوع البغتة نتأمّلها أمام شجرة العنب. ظلّت تشدو لها بصوتها العذب، ممتزجًا غناؤها بانسكاب الماء وخشخشة أكياسٍ ورقيّة تكسو بها العناقيد لتحميَها من الحشرات.
نعرف شغفها بتلك الدالية. نعرف كم كانت ملاذَها في غيابه الذي طال، هي التي ياما أذهلَت الجميع بجرأتها على البوح بحبّه. تغازله وتسمّي كل جمالٍ يشدّها ببعضٍ منه: تلك الشمس التي شقشقت بنورها السماءَ تشبه ضحكتَه، تمتح بين الشفتين سبيلًا فينسكب البهاء. وذاك القمر إذ اعترش جبلاً بعيدًا أطلّت منه هالتُه صافيةً، كان وجهَه حين يهلّ من مدخل الحيّ فتثب من قلبها اللهفة. وسربُ العصافير الذي رفرف في رقصة فوق حاكورتنا إنما حاكى تحليق معانيه إذ يسلب منها اللبّ في تجلّي فكره.
كم مرة تأمّلت غيمةً في سيلانها فشهقت وحلفت أنّ حروف الكلام إذ تنهمر منه تبلل القلبَ وتخصب الحياة فتنبعث تتجدّد. وإذ آثر السفر في رحلته توسّلته: هذي الأيام عصيبةٌ وامتحانات الجامعة على شفا اعتصار قدرتي. كن معي ـ رجَته باكيةً..
لكنه استجاب للعناد..
وغاب..
وغابت معه ضحكتها.. وغابت من ملامحها الحياة.
باتت شاردةَ حتى إذا جاء صوته انبعث فرحها نابضًا. تجمع تسجيلات حديثِه وتعيد سماعها باستمرار كأنّما ترشف النبرات رشفًا، تفتّش عن زفرةٍ جديدة أو شهقةٍ فاتتها منه. لكن اتصالاته باتت تتخافت، وسهاد تبهت وتشحب، حتى خبَت مثل شمعةٍ خانتها العتمة.
٭ ٭ ٭
مرّة مرضَت من الشّوق وحسبناها تجنّ أو تموت.. ظلّت أيامًا تهذي باسمه تحت كمّاداتٍ لا تُسعف أمّي في خفض وهج جسدها المحموم. وبغتةً، وثبت كالملسوعة. أطلقت ما ادّخرت من تسجيلات صوته ولم تنصت إليه: راحت تتحدّث عن ذاتها عن شوقها عن ولهها عن حمّى التّوق ولهفة الذراع إلى عناق، عن حبّ يشتعل ولا يجد ما يبرد لهيبه، وشغفٍ يلتهم الروح قضمًا وعلكًا، عن انكسار القلب من لوعة الغياب، ووحشة عبور الدرب وحيدةً إلا من يبابٍ يسكن الرّوح يشتهي رذاذَ حضورٍ يبلّله، وجعٍ تغزله خيوط الخيبة والخذلان. كانت تدور وتحكي تدور ويعلو صوت مناجاتها، تدور وتنسج صيحاتها، ونحن نحدّق مسلوبين.. همّت أمّي نحو الجهاز توقفه، ففاضت سهاد بكاء مُرًّا مُرّا: «إن كان عناقه مستحيلاً فليعانق صوتي صوتَه على الأقلّ». نشجَت وانتحبَت وانهارت ترتعد إلى السرير! بكى أبي كثيرًا يومها، وحلفَ برحمة جدّتي لَيوجعنّه إن عاد.
٭ ٭ ٭
أبي الحزين دومًا، لا يبكي إلا قليلا، ولا يضحك إلا نادرًا. كأنّ جدّتي خطفت ضحكته معها قبل أن تموت ـ يقول الجميع ـ وأمي التي تعانق حزنه بالغَمرالدافئ تردّد حكمتَها لهم:
يُعرف الرجل من حبّه لأمّه. فإن رأيت أحدهم وأمّه تنسكب من ملامحه، أدركت أنه ملَكَ سرّ الروح وقطف ما يسكنها من أنوثةٍ تغتزل بالرجولة، فتغمَّس بالجمال مهما وشّحه الحزن. ظلّ أبي حزينًا.. أما البكاء فغلبه يوم انهارت سهاد. جلس عند حافّة السرير يمسّد قدميها بكفّين حانيتين، فتسحّ عليها دمعةٌ تنفلت منه، يمسحها بقبلةٍ للقدم تطيل مقام الشفتين هناك، لا يرفع فاه إلا متوعّدًا عليًّا، أو مبتهلاً لشفاء سهاد من حرقة الحبّ المخذول. يبوس القدمَين بشفتيه بأصابعه بجبينه بخدّيه بشعره بصدره بخوفه بحنانه، يشدّهما إلى القلب متوسّلًا فتنسكب المعاني ساكنة. وسهاد بعد انهيارها أيامًا، عادت تلملم روحها، حتى قامت إلى الحديقة، راحت تهذّب الأغصان المترامية من الدالية.. تمدّ الحبال وترفع عناقيد العنب المدلّاة. كمن تلملم فُتات الحبّ المهجور.
صارت تقضي ساعاتِها هناك، تغرس ما شذّبت من العُقل والخصلات، وتسقي كأنما تمطرها دموع القلب. تتعلّم كيف تنبش التربة حدّ الرطوبة لتدفن بذور القثاء جماعاتٍ، تزرع التوابل وتغازل العبق همسًا كلما رشّته بالماء فانتثر فوّاحًا. تقصقص الجوريّ وتقول بلهجة الحكماء: لعلّ قسوةَ التشذيبَ تخبّئ سرّ الانطلاق الحرّ!
أمّا الدالية فمدلّلتها الأحبّ، تناغيها كأمٍّ تراعي وليدها، كعاشقةٍ شغوف تدلل سيّد قلبها بولَهٍ، تعتني بالعناقيد حبّةً حبّةً. وتدندن لها ألحانها الشجيّة.
٭ ٭ ٭
همهمَت أمّي وقد أكلها الرّعب: شاخت البنية قبل أن تعرف الصبا. أقسمَت أمّي أن الحواكير ملاذ قلب عجائزها. تزرع النساء الحدائقَ إذ يموت في قلوبهنّ العشاق. كلّما خاب قلب إحداهنّ استبدلت معشوقَها بوردةٍ جديدة تشبهه. كلما كثرت الأحواض تناسلت الذكريات. كأنّ كلّ حوض قبرُ حبيبٍ وشاهدُ دفن شوقٍ غلبه الفتور. هي شي خو خة ال ق ل ب. نزّت العبارة من فم أمي مجزّأة نبرةً نبرةً، وتجمّعت تصبّ القلقَ في قلوبنا. بتنا نراقب كلَّ حركة تأتيها، كلّ لحنٍ تنغّمه، ونفتّش همساتها كي نطمئنّ على قلبها الذي شهدنا تكسُّره.
٭ ٭ ٭
فغرنا الأفواه مشدوهين إذ جاءت تحمل بيديها باقة وردٍ من الحديقة. هي التي تمنع أيًّا منا أن يدنوَ من زهرةٍ بيدٍ قاطفةً. «التربة وطن نباتاتها ـ تقول ـ وويحه من يجلب غربة الموت لزهرة». جفلتُ خجلًا إذ وشوشتني: هذه لحبيبتك. وطغَت حمرةٌ على زغب وجهي الخفيف.
ـ ارعَ الحبّ يا حبيبي ليرعاك..
بدَت لي أنثى جديدة، تأمّلت رسوماتي على الجدران: «هذا الفتى الجميل سيكون رسّام الغد، وسيّد الحبّ أيضًا». وانسلّت نحو الدّالية.
٭ ٭ ٭
بدَت ملامح أبي رائقةً، ومن عين أمي انسابت دمعة حنينٍ دافئة، فيما سهاد تغنّي نغمًا يتسلّل إلى عمق الروح نديًّا، ببحّةٍ واثقةٍ خاليةٍ من الرّجفات. عانقَت ألحانها سقسقة مصّاص الرّحيق إذ دنا مبتهلًا قبلاتٍ لزهرةٍ بيضاء، امتزجَ صوتها بتلويحة جناح فراشة حامت قريبة. علَت أنغامُها وهي تحيك النظرات لداليتها التي اخضرّت وتشامخت حرّةً. رنّ هاتفها فلم تحفل به، تابعت شدوَها ورشرشة الماء. ثمّ رأينا عليًّا يقف بباب الحديقة، فيما سهاد كأنما لم ترَ غير العدم. وقف طويلاً حتى تغيّرت ملامحه، تبدّدت ضحكته وفتَر شموخه، ونحن التهمَتنا البغتة ولذّة الموسيقى..
فيما الدالية كانت ترتعش انتشاءً بالغناء..
٭ كاتبة فلسطينية من الجليل
