نيران الطرابلسي: «فانتازيا» تعبير عن تحرر الوسط الثقافي التونسي
عثمان بوطسان
تبدو الثقافة كنافذة تطل على عوالم أخرى، قادرة على تحسيس الفرد بدوره وسبب تواجده في الحياة، كما ساهمت في العديد من المناسبات في الانتقال الديمقراطي لبعض المجتمعات، كالمجتمع التونسي. ويعتبر الشباب التونسي من الأكثر نشاطا على المستوى الثقافي في العالم العربي، نظرا لتأثير الثورة الأخيرة على فكر الشباب وانتشار الوعي الثقافي بشكل ملفت في الوسط الشبابي التونسي.
كان للثورة التونسية فضل في بروز مجموعة من التظاهرات الثقافية والأدبية كتظاهرة فانتازيا التي أسستها الشاعرة والكاتبة الشابة نيران الطرابلسي إلى جانب ريم الحياة وضحى الطرابلسي سنة 2015. شاركت الطرابلسي في تنظيم العديد من التظاهرات؛ ومن بينها: مدينة بوك كلوب، اريانة بوك كوب، منوبة بوك كلوب. كما شاركت أيضا في العديد من التظاهرات الشبابية مثل.. سيدة الكلمات، عشوية فن، جيب كتابك وايجى، أنا شريت كتاب وأنت وقتاش، ملتقى الأقلام الواعدة في صفاقس، وملتقى عيش الفن في قلبية. عن رؤية الشاعرة نيران الطرابلسي ونشاطها الثقافي كان هذا الحوار..
■ رلماذا اخترتم كلمة «فانتازيا» وما دلالتها؟
□ في البداية كان اختيار الاسم مشكلة كبرى بالنسبة لنا، أردنا اسما فريدا ولا ينسى، يُحفر في الذاكرة منذ المرة الأولى، ومن بين الكثير من الاختيارات اخترنا اسم «فانتازيا» وهو عنوان قصيدة كتبها لي شاعر سأحتفظ بذكر اسمه، وكانت لنا ثقة كبيرة في قدرتنا على جعل هذه التظاهرة بأتم معنى الكلمة.
■ كيف نشأ هذا المشروع الثقافي أول مرة؟
□ بعد أن قررنا أن نبدأ العمل على الفكرة، لقينا صعوبات كثيرة في العثور عن مقهى نقيم فيه التظاهرة، ولقينا الكثير والكثير من الصدّ، لكننا لم نيأس إلى أن رحبت بنا مقهى «موكايشي» في شارع فلسطين بجانب محطة المترو، ساعدنا الإعلام التونسي في التعريف بالتظاهرة. وقد صعب جدا أن نصل إلى الإعلام. وقد ساعدنا الفيسبوك أيضا على التعريف بهذه التظاهرة. وعليه اشترينا كتبا على عدد المشاركين لنشجعهم على القراءة، وقمنا بتحضير كل شيء بعناية، وكانت النتيجة فوق كل توقعاتنا؛ فقد حضر ما يقارب 120 شخصا، ولم يكن هناك أماكن شاغرة للكثير وهذا ما شجعنا على مواصلة العمل إلى الآن.
■ هل تعتقدون أن بمقدور هذا النوع من الأنشطة الثقافية تشجع الشباب على الاندماج في المحيط الثقافي التونسي؟
□ طبعا نحن واثقون أننا قادرون على دمج الشباب في المحيط الثقافي، وكان لنا دور كبير في اندماج الكثير من الشباب، كما ساهمنا بنسبة كبيرة في التعريف بهم وحثهم على مواصلة الإبداع وإعطائهم الثقة التي يستحقونها.
■ ما هو الفارق بين فانتازيا وباقي الأنشطة الثقافية الأخرى؟
□ فانتازيا من أولى التظاهرات الشبابية الثقافية في تونس، وبتطور التكنولوجيا بات الشباب قادر على نشر كتاباته على الفيسبوك وفي كل مواقع التواصل الاجتماعي. وهم قادرون كذلك على حصد الكثير من المتابعين والقراء. وما يجعلنا متميزين، هو أننا نمنحه فرصة قراءة نصوصه وإدماجه في الوسط الثقافي والاحتكاك بكتاب وشعراء كبار وتبادل التجربة. ومن خلال ورشات الإلقاء والكتابة وتبادل الكتب وجلسات النقاش نحن نفتح لهم المجال للتوسع أكثر في المجال الأدبي. لذلك نحن في كل دورة نخصص كتابا كهدية لكل مشارك وكتبا كجوائز في مسابقة مخصصة للحضور الذين نجعلهم بطريقة غير مباشرة يشاركوننا التظاهرة، وتتمثل المسابقة في الإجابة على عشرة أسئلة أدبية وثقافية.
■ ما الأثر الذي تركته الثورة التونسية على شعر الشباب، وهل فانتازيا تعبير عن التحرر ونفس جديد لحياة ثقافية جديدة؟
□ فتحت لنا الثورة التونسية فرصة لنشوء مثل هذه التظاهرات الشبابية التي جعلتنا عنصرا فاعلا ومهما في المحيط الثقافي بعدما كنا عنصرا مهمشا ومغيبا. وبفضل الثورة أصبحنا أكثر تحررا وانفتاحا في كتاباتنا وطبعا فانتازيا تعبير عن هذا التحرر. بطريقة أو بأخرى نحن اليوم ندعو الشباب لنشر كتاباته ونفض غبار الحياء والخوف من عدم قبولهم. ندفع بهم إلى الأمام في كل تظاهرة من خلال الكثير من كلمات التشجيع والحب الذي نكنه لهم وللأدب.
■ ما هي الرسالة أو الرسائل التي تحاولون تمريرها من خلال هذا النشاط الثقافي؟
□ الشباب قادر على التغيير؛ هذه أولى رسائلنا التي نحاول تمريرها بإصرارنا على مواصلة العمل. بوجود مثل هذه التظاهرات نحن ننقذ أكثر من شاب من الانحراف، من الانتحار، من الانخراط في تنظيمات متطرفة، فنحن نوسع اختياراتهم ونحثهم على الحياة (أليس الفن حياة)، وعلى التعوّد على الانخراط في التظاهرات الثقافية عوض تمضية الوقت في أشياء أخرى قد تكون مضرة أكثر من نافعة، كما أننا نحببهم في الفن وندعوهم لمتابعة المسرح والسينما.
■ كشاعرة هل تعتقدين فعلا أن بإمكان الشعر تحرير العالم من جانبه المظلم وخلق جانب مشرق يجد فيه المتلقي أمله المفقود؟
□ الشعر قادر على إحياء الموتى، كما أنه قادر أيضا على دفننا أحياء. أظنّ أننا لو نظرنا إلى نصف الكأس الممتلئ دون أن نغض البصر على الجانب الفارغ سنشرق نحن بدل العالم، وما أهميّة العالم حين لا نكون؟ كلّ الفنون تستحق أن أحيا من أجلها. وبالتالي كل إبداعي يحثني على المقاومة والمصارعة في سبيل معرفة ذاتي، وإني أحب الحياة لأن الفن أصلها.
■ يعرف المشهد الثقافي التونسي ازدهارا كبيرا، ما السبب في ذلك وهل فانتازيا نتيجة لهذا الازدهار؟
□ أظنّ أن الشباب هو سبب ازدهار الوسط الثقافي في تونس. فمواكبة الشباب للتظاهرات الثقافية وحرصه على متابعة كلّ ما هو جديد في المسرح والأدب والسينما والموسيقى هو ما جعلنا نتقدم في هذا المجال. طبعا فانتازيا جزء من هذا الازدهار، فنحن نساهم في كل تظاهرة نقيمها بإدماج عدد جديد من الشباب في هذا الوسط.
٭ كاتب وباحث مغربي
