«كُراتُ الثلج» حكايات شعبية يمنية تروي وقائع معاصرة

شبكة وهج نيوز : تحضرُ اليمن بتفصيلاتِ معاناتها المُعاصرة في الحكايات الشعبية لمجموعة «كُرات الثلج» للكاتب اليمنيّ أحمد قاسم العريقي، الصادرة باللغتين العربية والإنكليزية في صنعاء في (193) صفحة من القطع المتوسط.
تضمّنت المجموعة (16) حكاية، استُهلِت بمُقدِمة عَرَّفَ فيها الكاتب بـ(الجدّة حمامة) باعتبارها راوية الحكايات؛ وهي «امرأة غير عادية، ليس لأنها تسجع كسجع الكُهان، بل لأنها كانت تسرد حكاياتها بإيقاع شعري، ولهذا – يقول الكاتب – كنا نشتاق إلى مجلسها في قريتنا المُطلة على جبل شاهق ننظر منه للبحر»؛ في إشارة للتفعيلة الشعرية التي تَميَّز بها الخطاب السردي للحكايات.
اعتمد البناء السردي للحكايات على البناء التصاعدي؛ وهو البناء الدراماتيكي المألوف في بناء الحكاية الشعبية، الذي يبدأ بالحدث صغيراً سعيداً ومن ثم يتصاعد في صراعه مع الشر ليعود صغيراَ. وفي مبتدئ كل حكاية ثمة استهلال قصير يحضر فيه الكاتب شاعراً قبل أن يبدأ حضوره سارداً وشاعراً بمجيء (الجدّة حمامة)، التي تأخذ مقعدها بين روادها من الأطفال الذين يتحلّقون حولها بشوقٍ لسماع حكاية كل يوم. الجدير بالإشارة إلى أن أجواء مجلس الجدة حمامة كان حاضراً في مفتتح وخاتمة كل حكاية، من خلال سرد ما كان يدور بينها وبين رواد مجلسها وبين الرواد أنفسهم، حرصاً مِن الكاتب على أن يمنح الأجواء ما له علاقة بتراث مجالس الحكاية الشعبية في اليمن؛ وهي الحكاية التي تُعرف تقليدياً في كثير من مناطق البلاد باسم (السُمَّاية).
حافظ السارد على روح السرد التقليدية للحكاية الشعبية اليمنيّة، بما في ذلك المفردات التي يستخدمها الرواة مِن كبار السن في سياقات السرد، كالتسميات التي تطغى على هذا النوع من السرد، خاصة ذات العلاقة بالخرافة، حيث كان لكبار السن في الريف اليمني مجالسهم التي يسردون فيه الحكايات وأساليبهــم الخاصة أيضاً؛ وهي المجالس التي اختفـــــت للأسف، على حساب حضور القنوات الفضائــــــية وشبكة الإنترنت؛ وهو ما تسبب بتراجع تراث الحكاية الشعبية عن الأضواء؛ فجاءت هذه المجموعة ضمن اشتغالات أدبية تحاول التذكير بخصوصية وقيمة التراث اللامادي في اليمن وغيره من البلدان العربية، وهو التراث الذي تُمثل فيه الحكاية الشعبية أحد أبرز عناوينه، والتي يمكن من خلال متونها قراءة واقع المجتمع وثقافته وعلاقته بالواقع والطبيعة وما وراء الطبيعة في كل مرحلة من مراحل تاريخه. على الرغم من التزام الكاتب، في سرده للحكايات الشعبي، التي هي من بنات خياله وإن استلهم بنائها من التراث، بالتراث الشعبي في علاقته بكل شيء يتعلق بالحكاية وثقافتها في القرية اليمنية؛ وهو ما توحي به بشكل واضح (القراءة المباشرة) التي فيها يحضر التراث الحكائي وخصوصيته، إلا أن الكاتب استطاع أن يُعالج من خلال هذا السرد قضايا يمنيّة معاصرة، وهو ما يمكن معه فهم الحكايات باعتبارها قصصاً معاصرة، لكن هذا لا يتم إلا من خلال (القراءة التأويلية)، حيث استطاع الكاتب – هنا- أن يُحمّل كل حكاية قضية من قضايا مجتمعه، ويجعل من الحكاية ميدان مناقشتها؛ فقضية القات (نبتة يتعاطاها قطاع عريض من اليمنيين وتصنفها بعض الدول ضمن الممنوعات) ناقشها الكاتب في الحكاية الأولى من المجموعة؛ وهي حكاية «بنت الوادي»، وعلى الرغم من أن هناك أكثر من قضية حملتها الحكاية إلا أن قضية تعاطي القات، وما يتسبب فيه من خسارات على مستوى الحياة العامة كانت أهم القضايا، حيث أجبرَ أهالي القرية (بنت الوادي)، وهو رمز لطبيعة اليمن، أن تمنح أشجارهم الماء حتى لو كان على حساب بقية أشكال الحياة، وهو ما نتج عنه كل تلك الخسارات.
الجانب الآخر من الخطاب يتمثل في مقدمة كل حكاية، حيث كان الكاتب يضع تقديماً – كما سبقت الإشارة ـ لكل حكاية، ويمثل ذلك التقديم مفتاحاً لفهم مختلف للحكاية، كقوله في تقديم حكاية (الولد العاق)، «تعبرُ بنا الحكايات سماء الوجدان؛ لنعرف نبضه وأحاسيسها المتدفقة ظلالاً من الحب، نتشرب منه لنجتاز الحدود والفواصل بين قلوب البشر، ونسمع نبض آلام وأفراح أرواحهم». كأن الكاتب يريد لنا أن نجدد الاحتفاء بالحكاية الشعبية، باعتبارها تراثاً زاخراً بالحكمة ونتاج تجارب ضاربة في التاريخ، بل كأنه يُرسل رسائل تُشير لمخاطر تجاهل وإهمال هذا التراث، مؤكداً على أن الاهتمام به له أشكال شتى لا تبدأ بالتوثيق ولا تنتهي بالنشر، بل يتكلل بتشكل قناعات عامة بأن هذا التراث جزء من ثقافتنا ولابد أن يبقى جزءاً من ثقافة الأجيال وهُويتها ووعيها.
مما سبق نجد أن الكاتب اهتم بجانبين: الأول: اشتغل على تراث الحكاية الشعبية في اليمن؛ لكنه، هنا لم يعمل على نقل حكايات متواترة لدى الجدات والأجداد، بل استلهم روح تراث تلك الحكايات بعد أن قرأ في تاريخها وذاكرتها اليمنية، ليأتي بحكايات جديدة. والجانب الثاني: يتمثل في تحميله للحكايات قصصا معاصرة من خلال مناقشته لقضايا يعيشها بلده ضمن سياق سردي شعبي.
إلى ذلك تجشم الكاتب، وهو صيدلي، ترجمة كل الحكايات إلى اللغة الإنكليزية ونشرها مع النص العربي. إن ترجمة نصوص حكائية شعبية، هي بلا شك ترجمة عسيرة لارتباطها بلغة وأجواء سردية تقليدية تحتاج لتُرجمان حصيف وحاذق؛ وهو ما كان من الكاتب الذي استطاع ترجمتها بمستوى اقتربت فيه الترجمة الإنكليزية من روح الحكاية الشعبية؛ وهي الترجمة التي راجعها اختصاصيون في جامعة صنعاء وغيرها، حرصاً من الكاتب على سلامة النص الإنكليزي مقابل النص العربي.
انطلقت ترجمة هذه النصوص إلى الإنكليزية من إيمان الكاتب بأهمية وقيمة هذه الحكايات للقارئ الأجنبي، خاصة الباحثين في التراث الشعبي، الذين غالباً لا يجدون نصوصاً مُترجمة كافية لتراث الحكاية الشعبية في بلدان الشرق الأوسط، فَعَمَد لترجمة النصوص؛ لتكون هذه المجموعة ـ ضمن احتياجات الباحثين الأجانب في التراث الحكائي الشعبي اليمنيّ؛ وهو ما أكده المؤلف المترجم لكاتب السطور.
والعريقي هو شاعر وقاص وروائي صدرت له مؤخراً في صنعاء رواية «تعرية» بالتعاون مع نادي القصة اليمنية.

المصدر : القدس العربي – أحمد الأغبري

قد يعجبك ايضا