التلفزيونات اللبنانية في الانتخابات النيابية … والسقوط في مربّع التضليل
كتب سيناتور أمريكي شاب مقالة عام 1959 على صفحات مجلة شعبية عن الإمكانات الهائلة التي تحملها هذه الوسيلة الإعلامية الجديدة حينذاك – التلفزيون – لتغيير طبيعة العمل السياسي بالكليّة. هذا السيناتور الذي لم يسمع به أحد تقريباً خارج حدود ولايته ترشح بعد عام من مقالته تلك للانتخابات الرئاسية الأمريكية وتمكن مناقضاً كل التوقعات من إقصاء السياسي المحنك ريتشارد نيكسون والفوز بالمنصب التنفيذي الأرفع في الولايات المتحدة. السيناتور جون كنيدي صار يومها رئيساً بفضل التلفزيون تحديداً، إذ تبيّن أن كتلة وازنة من الناخبين غيّروا آراءهم لمصلحة كنيدي المرشح الأوسم والأقدر على إدارة الحوار أمام الكاميرات بعد حملته التلفزيونية الناجحة، أقله مقارنة بالأداء (التلفزيوني) الباهت لمنافسه، ليتكرّس بعدها تموضع المحطات التلفزيونية كجزء أساس من عملية صناعة السياسة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، والملعب الرئيس الذي تجرى على ساحته النقاشات البرلمانية والمهرجانات الانتخابية والمناظرات بين المترشحين طوال عقود. وحتى عندما توسع انتشار الشاشات البديلة خلال العقد الأخير، فإن علاقة التلفزيون بالانتخابات تحديداً زادت توثقاً وعلى نحو متزايد حتى أنه لم يعد ممكناً تخيّل إمكان إتمام العملية الديمقراطية من دون هذه الوسيلة الإعلامية الخطيرة.
لبنان الذي يُجري يوم الأحد المقبل انتخابات نيابية مستحقة منذ عقد تقريباً، يستمتع دون معظم الدول العربية الأخرى بتعدد قنواته التلفزيونية المحلية وسعة انتشارها، وسقف حرية – نظري – أعلى من جيرانه، وإقبال نسبة عالية من عدد السكان على متابعة برامج سياسية ومقابلات بشأن الأحداث تقدمها مختلف القنوات التي تحوّل مقدموها بفضل ذلك إلى نجوم – وأثرياء – . لكن المتابع لأداء القنوات التلفزيونية اللبنانية خلال هذه الفترة الحالية في أجواء الحملات الانتخابية سيجد أنها في أغلبها لم تخرج مطلقاً من جلباب الطبقة المهيمنة لتحالف زعماء الحرب الأهلية 1975 – 1990، والتي ما زالت بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً تُمسك بخناق البلد، فانتهى بعضها للتحوّل إلى نشرات إعلانية للترويج السطحي للمرشحين مشرعة أمام كل من هبّ ودبّ ما دام قادراً على تسديد قيمة الفواتير المتصاعدة، بينما تمسك البعض الآخر بدعم الخط السياسي الذي (تنتمي) إليه، فكانت مسرح بروبوغاندا تامة تكتفي بالشعارات ومهاجمة طقم الفساد على الجهة الأخرى من دون المساس بخطوط الوضع القائم.
قل لي من يمتلك تلفزيونك، أقل لك من أنت
إستقالة التلفزيونات اللبنانيّة عن القيام بمهمتها في خدمة عموم الشعب اللبناني ربما تكون مفاجئةً للمراقبين خارج البلاد الذين لا يخفون سخريتهم من تحوّل لبنان – منارة الشرق وعاصمة الصحافة ومطبعة العرب – إلى جمهورية موز إعلامها أشبه بمزحة لا تثير الضحك. على أن العارفين ببنية المجتمع اللبناني ونظامه السياسي الطائفي لم يكونوا ليتوقعوا من شاشات البلد غير هذا الأداء.
فبعد فوضى إعلام الحرب الأهلية، توافق زعماء الطوائف عام 1994 على تقاسم لترددات البث التلفزيوني من خلال شركات واجهات تتبعهم، بينما تواطأ الجميع على إهمال تلفزيون لبنان (الوطني الحكومي) ليتحول إلى أقل المحطات استقطاباً للجمهور، وسرق أرشيفه لمصلحة القطاع الخاص.
وهكذا عندما دُعي للانتخابات النيابيّة أنهكت غالبية القنوات التلفزيونيّة اللبنانية جمهورها بكم هائل من التحريض السياسي والتجييش العصبي القائم على الطائفة الدينية أو المذهبية أو الانتماء المناطقي من دون أي مضمون حقيقي يتعلق بطبيعة البرامج الانتخابيّة التي يمكن للمرشحين التعهد بتنفيذها حال توليهم سلطة التشريع – بل كان معظمها أشبه بترددات ببغائية لمرشحين حفظوا أدوارهم جيداً لإثارة عواطف الناس وغرائزهم وجوعهم وفقرهم كما مهرجين يلوحون بأرغفة الخبز – ترافقاً مع هجوم قاس لكل الأفرقاء السياسيين من دون استثناء على طاحونة هواء وهمية توافقوا على تسميتها بالفساد والفاسدين وخصوها بأقذع الألفاظ وأكبر اللعنات، من دون أن يتمكن أحد من معرفة المقصود تحديداً بذلك، بينما هم جميعهم شركاء في الحالة القائمة.
الدائرة المغلقة: طائفية – تشريع – طائفية
وقد احتكر تحالف الطوائف هذا فضاء لبنان التلفزيوني ومنع بحكم سيطرته على التشريع أية نافذة لمنح تراخيص جديدة، وضمِن غياب تشريع عصري متكامل ينظم العمل الإعلامي لحماية المجتمع اللبناني من تغوّل أصحاب السلطة والمال، أو حتى لتوفير ظروف عمل مأمون للصحافيين التلفزيونيين الذين يعلم كل منهم أن مهنته متوقفة على رضى رب عمله. وحتى بوجود شذرات من قوانين متفرقة تستهدف تنظيم بعض جوانب العملية الإعلامية فإن السلطة التنفيذية التي ينتجها تحالف المهيمنين هذا لا تبدو بوارد التحقيق في أيّة مخالفات شكلية أو موضوعية ما دامت المؤسسات الإعلامية بعيدة عن المساس بالوضع القائم. وهذا كلّه بالطبع أفرز كوادر تلفزيونية مرتبكة، تفتقد للاحترافية، وتتنافس من خلال الإسفاف، أو التعري أو التركيز على الفضائح والمنجمين من دون محتوى إعلامي حقيقي مهما تظاهروا بغير ذلك وهو ما ظهر واضحاً في ركاكة الحوارات السياسية مع المرشحين وقفز بعض الإعلاميين للتصفيق علناً لمرشح أو مرشحة دون آخر.
بازار الإعلان: إدفع تنجح
تسابقت غالبية القنوات التلفزيونية اللبنانية على تقديم برامج استثنائية أو ضمن برمجتها المعتادة كمنصات لتلميع الجيل الثاني من زعماء الطوائف وأتباعهم يعتقد على نطاق واسع أنها إما مؤدلجة (في حالة القنوات الطائفية المحضة) أو ممولة (في حالة القنوات المنفتحة على أكثر من فريق سياسي)، وهو ما يدفع للاعتقاد بأن المرشحين المتمولين إما أثرياء الطوائف أو أولئك المدعومين من جهات ما هم وحدهم لديهم القدرة والإمكانيّة على الوصول إلى مواقع صنع القرار والسلطة في لبنان، بينما تكاد تنعدم فرص الآخرين كليّاً. وقد شاعت أخبار عن مبالغ ضخمة دفعها بعض المرشحين للظهور على شاشات قنوات معينة (وفق الصحف فقد تراوح سعر الدقيقة الواحدة بين ألف دولار في بداية الحملات ليصل إلى أكثر من 6 آلاف دولار مع اقتراب يوم الاستحقاق الانتخابي بينما وصلت الأسعار للحملة المتكاملة على الشاشات إلى حدود مليون ونصف المليون دولار)، مع ان تلك الصفقات تتم على الغالب عبر أطراف ثالثة تحت غطاء الاستشارات المهنيّة أو خدمات الإعلان أو باتفاقات شفهية لتجنب الملاحقات القانونيّة. وعلى الرغم من أن القانون اللبناني يفرض على القنوات إبلاغ الجمهور عندما تقدم برنامجا يعتبر بمثابة إعلان إنتخابي بحقيقة أنه مدفوع الأجر مع تحديد إسم الجهة التي تولت تمويله، فإن الهيئة المشرفة على الانتخابات لم تحقق ولو في حالة واحدة حتى الآن .
والمثير للانتباه أيضاً أنه بينما يستلهم الإعلاميون اللبنانيون كثيراً من أفكار برامجهم من مائدة القنوات الغربية فإنهم تجنبوا صيغة المناظرات في برامجهم المخصصة للانتخابات – وهي النموذج الأكثر تأثيراً في إعلام الانتخابات الغربي -، واكتفوا غالباً باستضافة مرشح واحد أطلق لنفسه عنان إبرام الوعود أو إلقاء الشتائم من دون توفير فرصة حقيقية للمواطنين لعقد المقارنات بين إجابات مرشحين مختلفين على ذات المسائل واستكشاف حقيقة مواقفهم أو سياساتهم الموعودة، وإن حدث وأجريت مناظرات قليلة فقد توشحت بالضعف والبهتان لأنها ضمت مرشحين غير وازنين، إذ من المستحيل عمليًّ في ديمقراطية شكلية كما الحالة اللبنانيّة استدعاء زعماء الأحزاب أنفسهم للمواجهة على الهواء مباشرة – كما يمكن أن تلتقي تيريزا ماي وجيريمي كوربن في المملكة المتحدة مثلا -، فتلك عندئذ ستنتهي بوسطة عين رمانة جديدة تطلق شرارة حرب أهليّة مريرة.
إنتخابات تحصيل الحاصل: الشعب الخاسر الوحيد
لا خلاف على أن الانتخابات النيابية اللبنانية ستكون مجرد «تحصيل حاصل» وهمروجة لن تحقق أي تغيير فعلي في واقع العيش الصعب للغالبية. ليس قانون الانتخابات المفصّل وحده لإبقاء الهيمنة القائمة كما هي – ربما مع تغيير بعض الوجوه مضمونة الولاء التي لا تقدّم ولا تؤخر – هو السبب الوحيد في ذلك، بل إن التشوهات البنيوية في تكوين الإعلام اللبناني عموماً والقنوات التلفزيونية خاصة تحرم المجتمع اللبناني من حقه في المعرفة المتحررة من البروباغاندا الصريحة أو نفوذ رأس المال لتمكين عمليّة ديمقراطيّة حقيقة، وتجعل من الشاشات مجرد أدوات تـكمل تثبيت الوضـع القـائم.
ليس هنالك أدنى شك بأن الجميع سيخرجون فائزين من هذه الانتخابات – المهرجان الفلكلوري: زعماء الطوائف وأزلامهم، حفنة المستثمرين في القنوات الإعلاميّة، شركات الإعلان والمستشارون المشبوهون، المطابع وتجار الملابس الفارهة، المطاعم وخدمات التوصيل، شركات البريد والطيران، شركات خدمات النقل التلفزيوني والبرمجة، المرتشون من الهتّيفة وحملة الأعلام، الخطاطون والصحف، وصالونات التجميل، والفنادق والصالات العامة، والمقاهي وحتى سلاسل السوبرماركت. لكن كما دائماً، وحده الشعب اللبناني الخاسر الأوحد من بين كل هؤلاء.
إعلامية لبنانية تقيم في لندن
