“بُورصةُ الطغيان: ’مجلسُ السلام‘ مزادٌ صهيوني لبيع الشعوب”
نبيل الجمل …..
في مشهدٍ جيوسياسي يغلي على صفيحٍ من الأطماع المتوحشة، تطل علينا “الهمجية الترامبية” في نسختها الجديدة لعام 2026 كإعصارٍ من الهيمنة الفجة التي لا تقيم وزناً للأعراف الدولية ولا لكرامة الشعوب. إن ما كشفته التقارير الأخيرة، ولا سيما ما أوردته شبكة “بلومبرغ” حول تأسيس ما يسمى بـ “مجلس السلام”، يمثل الذروة في “تسييس السلام” وتحويله إلى بضعة تُباع وتُشترى في مزادٍ علني، حيث غدا ثمن “العضوية الدائمة” في هذا النادي الاستكباري مليار دولار كحد أدنى. إن هذا العرض “المقايضاتي” ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل هو إعلان صريح عن انتقال الإمبراطورية الأمريكية من دور “الشرطي العالمي” إلى دور “المبتز العالمي”، الذي يرهن استقرار الدول بمدى مساهمتها في خزائن واشنطن.
إن هذا “المعتوه” العاطش لدماء وثروات الشعوب المستضعفة ، كما تصفه لسان حال الشعوب المظلومة، يدرك تماماً أن المستفيد الأول والوحيد من حالة “السيولة الأمنية” والابتزاز المالي هو الكيان الصهيوني. فالمجلس المزعوم، رغم غموض صلاحياته، يهدف في جوهره إلى خلق “مظلة حماية” بديلة للأمم المتحدة، تكون فيها الكلمة الفصل والنهائية للبيت الأبيض وحده، وبما يضمن تصفية القضية الفلسطينية وشرعنة التوسع الصهيوني تحت لافتة “السلام الاستثماري”. إن اشتراط المليار دولار للانضمام ليس إلا محاولة لتجفيف منابع استقلال الشعوب وإجبار الأنظمة على الاختيار بين الانبطاح المالي والسياسي، أو البقاء تحت مقصلة العقوبات والتهديدات العسكرية التي طالت حتى حلفاء واشنطن التقليديين.
بالتحليل السياسي العميق، نجد أن ترامب يعيد صياغة “الاستكبار العالمي” بصيغة تجارية بحتة، حيث يتم استبدال “المواثيق” بـ “الفواتير”. إن اختطاف الرئيس الفنزويلي، والتهديد باحتلال غرينلاند، والآن بيع مقاعد “مجلس السلام”، كلها حلقات في جنزير واحد يهدف إلى تحويل العالم إلى “إقطاعية خاصة” تخدم المشروع الصهيوني وتؤمن له الموارد المالية والبشرية اللازمة لفرض سيطرته المطلقة على المنطقة. إنها همجية سياسية لا تنظر إلى الإنسان إلا كوحدة استهلاكية، ولا إلى الدول إلا كشركات تابعة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: فإما القبول بعضوية “المليار دولار” أو التحرك الجاد لكسر قيود هذه الهيمنة التي باتت تهدد السلم العالمي في الصميم.
الكاتب من اليمن