ثقافة الإحباط
بروين حبيب
كان طفلا ذكيا ونجيبا ومع هذا كان والده يصفه بالحمار، ولكن الأمر لم يكن بذلك السوء الذي نتخيله، فهو الحمار الخامس بين أخوته، وهذا يخفف من مشاعر الإهانة لديه، أنجب الرجل خمسة حمير وهو يعمل كالحمار ليطعمهم ويربيهم ويعلمهم في أحسن المدارس.
الأم الطيبة التي لم تكمل دراستها الثانوية، اقتنعت بعد سنوات طويلة من الزواج أنها الحمارة أم أولئك الحمير. لم يحظ الطفل بأي معاملة ترفع معنوياته، فالكراهية بين والديه واضحة، وهوابن أبيه حين تثور الأم في وجهه، وابن أمه حين يثير حفيظة والده.
وقد مشت الأمور على هذا المنوال حتى كبر الطفل، وأصبح طالبا جامعيا متوسط العطاء، ثابر بما استطاع لينهي دراسته ويحصل على شهادة الليسانس، في خضم الخصامات العائلية التي عاشها، تلقى مثل أخوته ضربات والده ووالدته الشبيهة بحرب أهلية لا حلّ لها سوى تصالح المتخاصمين، لكن ذلك لم يحدث. تخرّج وعاش سنوات بدون عمل ، وقدم خلال هذه السنوات خدمات بدون مقابل للعائلة والجيران والمعارف، ولكنه في نظر والده ظل ذلك الجحش الصغير، الذي لا يعرف طريقه، مع أن الحمير خبيرة بالفطرة بشق الطرقات وبفضلها يتمكن البشر من بلوغ أماكن يصعب الوصول إليها بوسائل نقل أخرى، أما الغباء فهو صفة لصيقة بالديك حسب الجاحظ، لكن ما أدرى أغلب آباء عالمنا البائس بذلك؟ غير ذلك فاللحظات الجميلة التي يتذكرها الشاب في بيتهم، هي لحظات الحنان النادرة من والدته، التي ما أن تضيء البيت حتى تنطفئ. هكذا مضت حياته، لم يتميز في شيء، سوى في كتابة يومياته، وبعض القصاصات التي تشبه الشعر، لكنها غارقة في حزن قاتم.
اللجوء للكتابة في هذه الظروف أو ظروف مشابهة ينطلق من رغبة في إعادة صياغة مشاعرنا، إنها طريقة لمخاطبة الذات، وترتيب أفكارنا لرؤيتها بشكل أوضح، لعلّ الغاية في البداية ليست واضحة ، لكنها طريقة لينقذ الشخص نفسه من وباء أصيبت به أجيال عربية لا حصر لها، من سوء حظها أنها ولدت لعائلات منتكسة سلفا، وهي في تجربتها الحياتية لا تصطدم بمصاعب بقدر ما تصطدم بمحبطات، وكأن تلك اللغة المحبطة التي يتخاطب بها الجميع لا بدائل أخرى لها.
كثرة «الشعراء» لدينا رغم غياب شمس الشعر، وانتشار الظلال القاتمة على المساحات التي يتجولون فيها، يعود إلى هذه الأسباب، ولأسباب أخرى يصعب اختصارها اليوم، لكن من الممكن الإشارة لبعضها والعودة للموضوع مرة أخرى لإثرائه.
إن أكثرية من يكتبون عندنا إنما يكتبون بحثا عن ذواتهم، الأدب ليس هدفا لهم في الغالب، يدخلون عالم الكتابة لأن الأثقال المحبطة تجثم على قلوبهم، يريدون هواء نقيا وهم يركضون على الورق، أو على شاشاتهم البيضاء، وكلما تقدموا في قول الأشياء شعروا بأنهم قطعوا مسافات بعيدة عن الكهف العائلي الذي يبتلعهم في صمت.
لنقل أن الأكثر حظا هم أولئك الذين وجدوا شيئا في داخلهم يمكنهم من التعبير عن ذواتهم، لأن ثقافة الإحباط التي تسيطر علينا لا تُوَلِّد سوى الكره تجاه الذات، والكره تجاه الذات يتحوَّل مع الوقت إلى كره تجاه الآخرين.. هكذا يولد العنف.
المجتمعات التي تحظى بهبة الحب تنجب شعوبا كالطيور حين تكون حرة تُحلِّق عاليا في الأفق، أما تلك التي تفتقد إلى الحب فتنجب شعوبا كالديدان العمياء، إذا تُرِكَت حرة فستحفر في الأرض وتزداد ولعا بالطين.
إن فقدان القدرة على التواصل بين الأفراد بشكل واضح ومتزن منعدم في مجتمعنا. نكبر بدون امتلاك تلك القدرة على التعبير بلغة سليمة لأننا نتحدث طوال الوقت مع جدران الرفض والقسوة. لم نتمرّن على الحديث بطلاقة مع من نعيش معهم، وحتى طقوس القراءة لم تدخل إلى تقاليدنا اليومية، نحن نذهب للكتابة من كثرة الشوق للحديث مع الآخر، إنها الجسر الوحيد الذي يخترق العزلة ويبني روابط بين أفراد مختلفين عن الذين يضعون حدّ السيف دائما على ألسنتنا. صحيح أن الشعراء والروائيين يتنفسون إحباطهم فقط من خلال ما يكتبونه. لكن الأدب بإمكانه أن يحمل كاتبه وقارئه من تحت الشمس الحارقة في الصحاري إلى شطآن البحار المزينة بالنوارس، إنه الملاذ الآمن لكل نفس متعبة من الإذلال المستمر والتحقير المجاني لها. بالمختصر، البيوت المظلمة بالإحباط لا نوافذ لها لنرى من خلالها الآخرين، إنها مثل بيوت المرايا، تعكس صورنا لا غير، وما الكتابة في البداية سوى محاولة لكسر المرآة.
إننا نكتب دائما لشخص ما، حتى إن بدا الأمر في البداية مجرد محاولة لتحقيق شعور جيد، لذلك تهمنا ردّات الفعل، ويزداد فرحنا كلما التقينا بقراء صنعنا مواساة لهم، أوكسرنا عزلتهم بأقلامنا. إن التراث الأساسي الذي يجب تركه للأجيال التي ستأتي بعدنا هي تجربة العمر، وهذا التراث على مر الأزمنة موجود في الكتب. ألم يقل الروائيون بأن الفضائل العلاجية للكتابة عظيمة؟ ألم تصبح الكتابة وصفة طبية للتغلب على الاكتئاب والأرق والإحباط والآلام الناتجة عن التخلي وتكرر الخيبات؟
إن الكلمات الخاصة بنا تشفينا، لهذا ليس من الضروري أن نكتب بلغة جيدة، وأسلوب مدهش، ليس حتى من الضروري أن يقرأنا أحدهم، إذ أن الكتابة التي تكسر الإحباط، وتهدم المرايا المشوهة لصورنا تفعل ذلك بشكل معقد ولكن يبدو أنه فطري، فقد «أكّدت دراسات الدماغ الوظيفية على العلاقة الغريبة بين الكلمات والعلامات العصبية للصدمة العاطفية» إذ يبدو أن فعل القول المقترن بالتدوين أنّه «يساعد العواطف المحظورة على نشر وإطلاق الطاقات الداخلية».
لست ضد ـ في النهاية أمام هذا الكم الهائل من الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي ـ هذا الانفجار الكتابي العجيب الذي ميز بداية قرننا الحالي، لست ضد حتى من ينشر كلامه العادي في كتاب، إذ يبدو أن هذه المرحلة مهمة جدا للإفراغ العاطفي المثقل بالإحباطات، وهذا التنكيل النفسي الذي عانت منه أجيال كاملة لأسباب عدة أهمها بناء عائلات بعناصر متنافرة، وإنجاب أطفال بدون رغبة حقيقية لإنجابهم، والدخول في عقوبة أبدية للاهتمام بهم، داخل أوطان تشبه السجون حتى في نوعية الأكل الذي يتناولونه. الأمر متروك لكم في النهاية، أنتم يا من ولدتم وعشتم وشختم على أنغام وألوان ثقافة الإحباط، هل يعقل أن تلتهمنا نحن أيضا وتلتهم أبناءنا وأحفادنا؟
يجب أن نعمل على تقليص هذه الثقافة واستبدالها بثقافة إيجابية، ألم يحن الوقت لأن نخرج من النّفق؟ أليس سهلا أن يروي الشخص قصته؟ أن يحرر ما بداخله فيشعر بالترحيب بإنسانيته، ويؤسس لشخصيته وهويته، هي بالضبط عملية تفكيك وإعادة تركيب لما هو عليه، ليس فقط للحصول على صورة كاملة له بعد أن تمت تجزئتها تعسفا، بل لفهم مساره من أين جاء؟ وإلى أين يتوجه؟ مع تحديد المعنى الحقيقي لحياته، خارج دائرة الإحباط التي ولد فيها.
شاعرة وإعلامية من البحرين
