كمال عمران… الدّاعي إلى إحراج الطمأنينة السكونية للثقافة الإسلامية

شبكة وهج نيوز : رحل منذ أيّام كمال عمران (1951- 2018)، أحدُ أساتذة الجامعة التونسية المختصُّ في الدراسات الحضاريّة، الذي لم يكتف بالحرم الجامعي إطارًا لنشر المعرفة، وإنّما انفتح بها على جميع الأفضية الثقافة التونسية والعربية نقدًا ومتابعةً وإبداعًا، وجعل الدرس الحضاري مجالا للتفكير في مفرداتِ الثقافة العربية الإسلامية، من أدبٍ ولغةٍ ومذاهب فقهية وحركات دينيّة وسياسيّة وجماليات. وقد نشر مجموعة من الكتب نذكر منها: «في قراءة النص الديني»، و«الإبرام والنقض: قراءة في الثقافة الإسلامية»، و«الإنسان ومصيره‮ في ‬الفكر العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬الحديث»، و«تونس وأولياؤها الصالحون في مدونة المناقب الصوفية».
ولعلّ ما يذكره عنه طلبتُه في أغلب دروسه هو فهمه التنويريّ للظاهرة الدّينية التي يرى أنّ لها في تركيبة الذهن البشري خصائص يجدر الوقوف عندها، وإن لماما، وأبرز خاصية لها هي ما يطلق عليه امتلاك الحقيقة، وهي خاصيّة راجعة إلى أنماط من التفكير عليا تنحدر عنها الأنساق ثم السلوكات الثقافية. وعلى هذا المعنى، يذهب إلى اعتبار كل دين، على الإطلاق، إنما هو قابل، متى فُهِمَ على غيـــر مقصده الأصيل، ويعني به نشر الخير وتجسيمه، لأنْ ينحرفَ إلى جهة الإرهاب. ولأنّه يرى في الإرهاب حالة مرضية تستوجب العلاج، ليس الإسلام مخصوصا بها دون غيره من الدّيانات، وجد في الخطاب «الأصولي» الراجع إلى ما يعبر عنه بالإسلام الحركي وَضْعٌا مَرَضِيًّا، وحالة من الجهل، قامت على الإفراط والتفـريط في آن، بل شكلاً من أشكال تجسيم النشاز الحضاري المعبِّرِ عن انزياح فظيع عن الإسلام في منابته الأصلية.
يرى كمال عمران أن أبرز ما به تتميز الحركات الأصولية هو التقليد، وهو في الاصطلاح: الأخذ عن الرجال بدون حُجّة أو دليل من القرآن والسنة، وهذا يعني أن الحركات الأصولية قد اصطنعت أصناما من المُقَلِّدَةِ (الرجال من نَقَلَةِ العلم الشرعي) وفرضت الفهم والتفسير على مقتضى الإدراك البشري. وقد صادف ذلك أنّ البيئة الفكرية والثقافية لتلك المرجعيات متميزة بالتخلف المعرفي والديمغرافي. وهنا لا يني هذا الباحث يسأل: فكيف للفهم الإنساني المُقيَّد بالزمن أن يُوَفّْرَ الرؤى الملائمة للتطور العمراني؟ وكإجابة عن ذلك يؤكّد أن مسألة المرجعية على درجة كبيرة من الأهمية، فإذا هي نهلت من الظاهرة القرآنية (وهي تشمل السنة الصحيحة) فإنها تكتسب القدرة على التعامل الموضوعي مع الواقع التاريخي المتقلب، إذ إن مرتكز هذه الظاهرة الاجتهاد وإعمال العقل. والنتيجة من هذه الوضعية الغريبة قلب القيم وليس غريبا أن تتراكم المقدسات وأن تنغلق الأبواب وأن يتغذى التهيُّؤُ للصراعات. وآية ذلك ما طرأ على الثقافة الإسلامية من انسداد الأفق إلى درجة أصبح فيها العقل الإسلامي عقلا مستعارا غير قادر على إنتاج المعرفة. والجدير بالانتباه إليه في واقعنا العربيّ الإسلاميّ هو الاستعدادُ النقدي لإبطال المعيارية والتمجيد والمفاخرة التي طغت على رؤيتنا للسّلف ومدوّناتها الفقهية، التي أدخلت الفكر العربيّ الإسلاميّ في حيِّزِ ما يُسمّى بانغلاق باب الاجتهاد، وهذه مسألة يرى كمال عمران أنها محفوفة باللُّبْس، لأنّ لها من المداخل ما يجعلها خطيرة الأبعاد. ويشرح ذلك بتأكيد أنّ الأفكار جرت تاريخيا في مجال الاجتهاد على الانتقال من مرحلة البحث، إلى مرحلة الاتِّبَاع، ثمّ إلى مرحلة التقليد. و قد ساد التقليد ودلّ على أن خط تاريخ الأفكار في الثقافة الإسلامية قد غلب عليه التدحرج والتدهـــــور، فبدل أن يؤســس المنهج الاجتهادي نسقا يشتدّ عوده بتطور الزمن تفاقم أمر التقليد فيه. غير أنّ الكلام في مسألة الاجتهاد لا يمكن أن يقتصر على معالجة الآلية فقط، بل على معالجة العناصر الشاملة الحافة به، ولا يمكن بداهة أن يثمر الاجتهاد في البيئة المنغلقة. لقد وُجِّهَ النّظرُ في المسألة من تحت إلى فوق وليس العكس. التّحتُ هو التفكيك للأسباب الثقافية والديمغرافية والسياسة والاجتماعية التي أدت إلى سَدِّ باب الاجتهاد، والفوق هو التعلق بالنظري والإسراع إلى المواقف الجاهزة وفرض الحلول التي أوجدها السلف على المعضلات التي يتعرض لها الخلف.
وما الاجتهاد، في رأي كمال عمران، إلاّ مسألة جوهريّة للنهوض الحضاريّ، وهو إحراج للطمأنينة السكونية التي تتصف بها الثقافة الإسلامية، ولا يتأتّى ذلك إلاّ عبر سبيل معــرفة الموروث حق المعرفة دون الذوبان فيه، ومعرفة الراهن والأخذ بأسبابه، بل والتفقّه في علومه بكل فروعها باعتماد منهجٍ نقديٍّ بعيد عن جَلْدِ الذَّات، ويقومُ على العقلانية وعلى القيم الإنسانية الأصلية: وهي السماحة والعفو واللِّين. ولا سبـيل إلى حُسنِ تواصل المسلمين مع عصرهم إلا سبيل الاجتهاد الشامل، لاستنبات أسس ثقافية تقوم على الفاعلية والنجاعة ونشر قيم الخير واستبدال ثقافة التوهّم التي ترى أن التقدم يكون نحو الأسوإ، بثقافة التقدّم نحو الأفضل، وهو ما مثّل جوهر الإسلام.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا