«سارقو المتاجر» للياباني هيروكازو كوريدا عن الذين يخطفون قلوبنا ونقع في هواهم
شبكة وهج نيوز : في فيلمه «سارقو المتاجر»، المشارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان في دورته 71 (8 إلى 19 مايو/أيار) يقدم الياباني هيروكازو كوريدا فيلما إنسانيا عذبا، فيلما محببا للقلب نقع في حب أبطاله بقدر ما تنسحق قلوبنا لهم ومعهم. يجعلنا الفيلم نتساءل عما يجمع أواصر الأسرة: هل ننتمي لأسرنا لأننا تجمعنا بها صلات الدم فقط؟ من هم الأهل حقا؟ هل الأبوة والأمومة صلات بيولوجية فقط؟ وصلات دم فقط؟ أم أن الأم والأب هما من يمدان الأطفال بالحنان والرعاية والحب؟
«سارقو المتاجر» فيلم عن الدفء والأسرة، عما يجمع الغرباء وما يقرب بينهم، عن البشر وما يجمعهم وما يفرقهم. هو فيلم ينأى، في كوريدا، الذي يُنظر إليه على أنه يسير على درب ياسيجيرو أوزي، المُعلم الياباني الكبير بإنسانيته الجمة، عن البكائية أو استغلال المشاعر، ولكننا نبكي من فرط صدقه وتأثيره فينا. هو فيلم يجعلنا نتساءل عن الصلات بيننا وبين أسرتنا وبين من نعدهم حقا أقرب المقربين إلينا.
أوسامو شيباتا (ليلي فرانكي) رجل نحيل ذو قسمات طيبة، نراه في بداية الفيلم في متجر للمواد الغذائية والمنزلية بصحبة الصغير شوتا (جايو كايري). يبدوان لنا كأب وابنه في جولة للتسوق، ولكننا نلحظ أن شوتا الصغير يتحين الفرص لوضع بعض الأغراض في حقيبته بدون دفع ثمنها. يتضح لنا أن أوسامو هو رب أسرة كبيرة تعتاش على هذه السرقات الصغيرة، وتجد قوت يومها منها. في ليلة باردة بعد جولة لسرقة بعض الحوائج المنزلية، يجد أوسامو طفلة صغيرة في نحو الخامسة، تبدو خائفة، وترتعد بردا وجوعا وتختبئ من الأنواء (مييو ساسامي في دور يخطف القلب)، فيقرر اصطحابها لبيته حتى تحظى ببعض الدفء والطعام.
تبدو لنا أسرة أوسامو مكونة من أب وأم وابنة في سن الصبا وابن يصغرها سنا وجدة، هكذا تبدو لنا الصلات بين الأفراد، رغم عدم تيقننا من صلات الدم بينهم، ولكن ما نستشعره حقا هو دفء المنزل ودفء الصلات بين أفراده. رغم الثلوج التي نراها في الخارج، نرى البيت الصغير للغاية المكتظ بالأشياء والأشخاص يعمه الدفء والضحك، ويتشارك فيه الجميع الطعام مع الوافدة الصغيرة، التي يتضح ان اسمها جوري، ويتولونها بالرعاية. تبدو جوري وجلة خائفة، تخشى العقاب، وتواري ندوبا في يديها وجسدها النحيل، ورغم عزوفها عن الحديث عما دعاها للفرار من بيتها، ندرك أنها كانت تتعرض للعنف والتعنيف من أبويها. تجد جور في هذا المنزل الصغير الفقير الكثير من الحنان والعطف والاهتمام. تجد أما حنونا وأبا طيبا وشقيقة كبرى تعتني بها.
ورغم أن أهل المنزل يعتاشون مما نراه عمل يخرج عن إطار القانون، إلا أنهم متحابون متعاونون طيبون مع الصغيرة التي جاءت فأصبحت واحدة منهم. نجد أنفسنا نتساءل عن عدالة المجتمع الذي يضطر أسرة فقيرة للعيش على السرقات الصغيرة، حتى تتمكن من إيجاد قوت يومها. ونجد أيضا أنفسنا نتساءل عمن أحق بأبوة جوري الصغيرة: هل أبواها البيولوجيان أحق بها، رغم أنهما يسومانها العذاب؟ أم تلك الأسرة التي ينظر إليها القانون على أنها اختطفتها. «سارقو المتاجر» فيلم لا يمنحنا المعلومات سريعا دفعة، ولا يفي بتوقعاتنا اللحظية، ولكنه يتطلب منا الملاحظة والتأني. ترى ما هي الصلة الحقيقية بين أفراد هذا المنزل؟ لماذا لا ينادي شوتا الصبي أوسامو بأبي؟ ولماذا يبدو نائيا نوعا في التعامل معه؟ لماذا لا يذهب شوتا إلى المدسة كباقي أقرانه في العمر؟ ولِمَ يتلق تعليمه في المنزل؟ العلاقات بين البشر تكمن في الالتفاتات الصغيرة، في النظرات الحانية، النظرات المعنفة، في لمسة يد تدل على الحنان، في دمعة تسقط سرا يتوارى الحزن فيها. وهذه الالتفاتات الصغيرة هي ما يشكل عالم «سارقو المتاجر».
يقول أوسامو إنه وزوجته «يربــط بينهما القلب»، وهذا ما يمكن قوله عن الفيلم بأســـره، فهو فيلم يربط القلب بين أوصاله ويمــــده بالحياة، فيلم يعتمد على التفاصيل الصغيرة والالتفاتات التي ترســم لنا أجواء هذه الأسرة الصغيرة. كيف لنا أن ننسى وجه جوري عندما ترى البحر لأول مرة، وكيف لنا أن ننسى وجهها الذي يضيء عندما تصحبها زوجة أوسامو لـ«شراء» ملابس.
المصدر : القدس العربي
