أن نكتب عن حرب لنقلل من فظاعاتها

سعيد خطيبي

أن نكتب عن حرب البلقان الأخيرة، وما خلفته من تشوهات، في جسد البوسنة متعددة الإثنيات، فنحن نكتب ـ في لاوعينا ـ عن الحالة العربية المتشظية. نكتب عن البلقان لنتحدث عن أنفسنا بضمير الغائب. نستعين بنموذج خارجي، وبقامـــوس أجنبي، لفهم ما يدور من حولنا. من السذاجة أن نعتقـــد أن الحروب تختلف، وأن لكل واحدة منها خصـــوصيتها، هذا نوع من إغماض العينين عن الواقع، فالحقيقـــة أن للحروب قواسم مُشتركة؛ هناك خيط رفيع يجمع بينها. لن يظهر من نظرة سطحية، ولن يــتراءى لهواة «الأخـــبار العاجلة» والبرقــيات الإعلامـــية، بل يجب أن نستعين في ذلك بالأدب، الذي كلما اقتـــرب من حرب، قلل من قبحها، استخرج نواتها وحللها ونبهـــنا لما غاب عن أذهاننا. فالأدب لا يهمه تذكيرنا بما حصــل، فقد سبقته إلى ذلك الميديا، لكنه يشرح لنا كيف ولماذا حصل ذلك وكيف يمكن تجنب الوقوع في فخ وقع فيه غيرنا.
حين أراد فلاديمير بارتول، قبيل الحرب العالمية الثانية، تفكيك المنطق الفاشي، كتب عن حسن الصباح وعن الحشاشين في روايته «آلموت» (1938). وجد الخيط الضائع بين الطائفتين، وفكر في إهداء تلك الرواية، بشكل ساخر، إلى موسوليني (حسب شهادة بوريس باهور)، لكنه تراجع عن ذلك، ووقع واحدة من الروايات الأساسية، في فهم أصول الفاشية، بدون أن يقع في الابتذال، أو في اجترار الأحداث التي عاصرها، في بدايات القرن الماضي. بعد خمس سنوات من صدور «آلموت»، نشر أنطوان دو سانت إيكزوبيري، في خضم المعارك والموت يقترب منه، نص «الأمير الصغير»، ليحكي ـ على طريقته ـ بشاعة الروح الإنسانية، وميلها المفرط في إيقاظ حواس الشر، مستعيناً في ذلك بحكاية ذلك الأمير الصغير، الذي يعجز على فهم منطق «الكبار». في هذين الكتابين، تخلص الكاتبان من سطوة راهنهما، ومن ضغط اليومي الذي كانا يعيشانه، وكتبا عن الحرب، التي كانت تطوقهما، من منظور مجازي، استعارا قصص آخرين ليحكيا عن نفسيهما، بدون الوقوع في المُباشرة وفي التقريرية. هذا ما سنجده في رواية «ساعة الصفر» (2017) للمغربي عبد المجيد سباطة، فقد أعاد تشكيل حرب البلقان، وجمع عناصرها، الإثنية والثقافية، كتب ما يُشبه كرونولوجيا حرب لم تنته بعد، تعمق في بحثه عن مكوناتها، ووضعنا في مواجهة صريحة مع ذواتنا. فكلما تقدمنا في قراءة الرواية، يتراءى لنا جزء من المشهد العربي، كما لو أن تلك الحرب ليست سوى بروفة لما يحصل في المنطقة العربية حالياً.
من اطلاع سريع عما كُتب عن حرب البلقان الأخيرة، سنجد أن أهم الروايات، التي تعرضت لتلك اللحظة المفصلية من التاريخ المُعاصر، التي انتشرت، هي روايات لكتاب غير بوسنيين. سنجد خوان غويتسولو أو كلارا أوسون من إسبانيا، ليونيل دوروا، ماتياس إينار وجان هازفيلد من فرنسا، أو فريديك فورسيث من إنكلترا. هذا لا يعني أن الكتاب البوسنيين تأخروا في متابعة ما جرى، فقد صدرت وتُرجمت روايات مهمة، لكتاب من أمثال ساشا ستانشيتش، ميلينكو يارغوفيتش، فيليبو شوليتش أو عصمت برشتيش. لكن أن نجد كتاباً مرموقين، في أوروبا أو أمريكا، يصرون على الكتابة عن تلك الحرب، فهذا لا يرجع فقط إلى تعاطف مع ضحاياها، بقدر ما يُحيلنا إلى تشابهات، بين تلك الحرب وحروب أو نزاعات مُشابهة، حصلت في الدول التي جاء منها أولئك الكتاب. كانوا يكتبون عنها كما لو أنهم يكتبون عن أنفسهم، عن ماضيهم.
عن التشوهات التي عاشها أجدادهم من قبلهم. اليوم، بعد أكثر من عشرين عاماً من نهاية تلك الحرب، وتوقيع اتفاقية سلام هشة، أوقفت طلقات القذائف وأنزلت القناصة من السطوح والشرفات، يبدو أن المشهد البوسني، يتكرر عربياً، قد يكون فات على المؤرخين أن يوصلوا لنا المعلومة، وينبهوننا إلى مآلات المجتمعات متعددة الإثنيات، لكن الأدب قام بذلك، ويضع بين أعين القراء «خريطة الجحيم»، التي يجب علينا تفاديها.
حرب البلقان كانت أيضاً حرباً لسانية، حرب كلمات ولعب باللغة، حين كان الصرب ـ مثلاً ـ يهجمون على قرية ما، يقتلون ويشردون أهاليها، تصدر في اليوم الموالي صحف موالية لهم، وتكتب «تحرير القرية كذا». مصطلح «تحرير» يُخفي وراءه جبلاً من الفظاعات، وهو يستخدم، إلى غاية اليوم، في مدن وقرى عربية، تعرضت لقصف جوي أو هجوم بري.
في تلك الحرب انتعشت النكت والسخرية من المُدافعين عن أرضهم وعن تاريخهم، كما يحصل عربياً اليوم. من الطبيعي أن الإلمام باللغة الصربو ـ كروتية سيكون ضرورة للإحاطة بتفصيلات حرب البلقان، وفهمها، وهو ما غاب ـ ربما ـ عن الكاتب عبد المجيد سباطة، لكن من قراءة روايته، ننتبه للجهد الكبير، الذي قام به، في جمع المادة التوثيقية، كما إنه ينبهنا لأمر آخر، هو هذا التغييب العربي للغة الصربو ـ كرواتية، على الرغم من أهميتها التاريخية، ونظراً للعلاقات الحميمة التي جمعت العرب بيوغسلافيا، التي دائماً ما انحازت للعرب، في السابق. عربياً، سنجد كتباً تعد على أصابع اليد ترجمت من الصربو ـ كرواتية للعربية، وفــي الغالب ليـــس من لغتــها الأم، بــل من لغــة وسيطة، بيــنما سنجد تشكيلة واسعة من عناوين، بين كلاسيكية وأخرى حديثة، تُرجمت من العربية للصربو ـ كرواتية، بل سنجد قسماً للغة العربية في جامعة سراييفو. هذه القطيعة اللغوية، مع ما ترتب عليها من ابتعاد ثقافي، هي واحدة من الخسارات العربية، فلو انتبهنا إلى ترجمة ما كتبه بوسنيون، لكنا أكثر وعياً بحاضرنا، وأدركنا أننا نسير على خط النار، ووجدنا نافذة نفلت منها من هذه الأقدار الدموية، التي تُلاحقنا منذ سنوات.
حين تنتهي حرب ما، ستبدأ معركة ختامية: معركة كتابتها، التوثيق لها، شرحها وتفسيرها، في نصوص وروايات، حجزها في ورق كي لا تخرج ولا تزداد ضراوة مرة أخرى. الكتابة هي معركة الحسم. وكل حرب لم تُكتب، ولم تدخل الأدب، فهي حرب غير منتهية، يمكنها أن تستيقظ في أي لحظة، وتضاعف من قبحها. أي حرب، مهما كانت، ترتبط بحقبة زمنية، لها بداية ونهاية، إلا «حرب الأدب» فهي حرب يومية، ضد الفظاعة. الأدب يتدخل كرجل إطفاء في لحظات العنف القصوى. نحتاج للعودة إليه لفهم ما حصل، وكيف يمكن تجنب ما وقع. في هذه اللحظة العربية التي نعيشها، تبدو حرب البلقان من أكثر القضايا شبهاً بما يدور في أرضنا، وتبدو «ساعة الصفر» كرواية الراهن المضطرب، وكل عودة إليها، ستسمح لنا بالنظر لأنفسنا في مرآة، تدارك أخطائنا، والتقليل من الشناعة التي باتت تسكننا.

٭ كاتب من الجزائر

قد يعجبك ايضا