نبّحتني كلابك
«نبّحتني كلابك»، مثل أطلقته بكارة الهلالية، إحدى نساء العرب، الموصوفات بالشجاعة والفصاحة والشعر والخطابة، أخذت في معركة صفين جانب الخليفة علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، ورضي الله عنه وأرضاه، فخطبت في الجند خطبا حماسية لتحض بها المقاتلين على خوض غمار الحرب، هذه المرأة نموذج لنساء العرب المسلمات اللواتي كان لهن باع طويل في الفصاحة والجلد وقت الشدائد.
استأذنت بكارة الهلالية يوما على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، وهو يومئذ في المدينة المنورة، وصدف أن كان عنده مروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، فدخلت عليه وهي ترعش بين خادمين لها، وهي متكئة عليهما، وبيدها عكاز، وكانت امرأة قد أسنت، ودق عظمها، وعشى بصرها، وضعفت قوتها، فسلمت وجلست، فأحسن معاوية الرد عليها، وقال لها: كيف أنت يا خالة، فقالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: قد غيرك الدهر، قالت: كذلك هو ذو غير، من عاش كبر، ومن مات قبر.
عندها قال مروان بن الحكم: أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هي؟ قال مروان: هي والله التي كانت تعين علينا في يوم صفين، وهي القائلة:
يا زيد دونك فاستثر من دارنا *** سيفاً حساماً في التراب دفيناً
قد كنت أذخره ليوم كريهة *** فاليوم أبرزه الزمان مصوناً
فقال عمرو بن العاص وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين:
قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى *** فوق المنابر من أمية خاطباً
فالله أخر مدتي فتطاولت *** حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم للزمان خطيبهم *** بين الجميع لآل أحمد عائباً
فقالت بكارة نبّحتني كلابك يا أمير المؤمنين وكأنها تقول أطلقت علي كلابك تنبح علي، واعتورتني، فقصر محجني، وكثر عجبي، وعشى بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا، لا أدفع ذلك بتكذيب، فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين، قاصدة علي بن أبي طالب، فضحك معاوية، وقال لها: ليس يمنعنا ذلك من برك، فاذكري حاجتك تُقضى، فقالت: أما الآن فلا.
انها حادثة تاريخية تكشف عن نماذج للمرأة العربية المسلمة في صدر الإسلام، وتدل على ثقافتها وانفتاحها، وشجاعتها وسرعة بديهتها.
طلال عبدالكريم العرب
[email protected]
